فالح العجمي

مؤشر الفائدة للبشرية

أثار مؤشر التفاوت بين بلدان العالم في مدى فائدتها للبشرية جدلاً في بعض المواقع الإعلامية؛ وهو المؤشر الذي تصدرته إيرلندا، وتلتها فنلندا في المرتبة الثانية، ثم سويسرا، وهولندا ونيوزيلندا والسويد وبريطانيا والنرويج والدنمارك وبلجيكا. وقد كان معيار الترتيب في ذلك المؤشر هو مدى ما يقدمه أي بلد لبقية بلدان العالم، وشعوب الأرض قاطبة من خدمات مفيدة في كافة شؤون الحياة. وحسبما أدلى به سايمون أنهلت لصحيفة الديلي ميل البريطانية، فإنه قد فكّر في هذا الأمر بسبب حاجة الناس على الأرض إلى أعمال مفيدة تقوم بها مؤسسات الدول، التي تفكر إيجابياً في مصلحة البشر على كوكب الأرض، وتسهم - بالتالي - في الارتقاء بالحضارة البشرية. وأشار إلى أن أكبر المشكلات التي يواجهها البشر في العصر الحديث تتعلق بتغيرات المناخ والتقلبات الاقتصادية المرتبطة بها من جهة، والمؤذية لأعداد كبيرة من ساكني الأرض من جهة أخرى. ومثلما يزيد الأمر سوءاً وجود الجريمة المنظمة، وازدياد أوضاع الفقر سوءاً، وانتشار تجارة المخدرات، وتفاقم بعض الأوبئة في عدد من مناطق العالم، ونقص احترام حقوق الإنسان، ما يؤدي إلى ازدياد حالات الهجرة من المناطق التي تعاني الظلم والفقر والاضطهاد إلى البلدان التي تعيش في رخاء اقتصادي. وحيث إن أغلب تلك المشكلات قد أصبحت معولمة، ولا تقف عند الحدود الجغرافية للبلدان، فإن العمل على حلها لا بد أن يكون من خلال إسهام الدول الفاعلة في الحضارة البشرية والمنظمات غير الحكومية، في تشجيع مساعدة المتضررين، وتقديم العون لهم، ما يجعل تلك المؤسسات الحكومية أو التابعة للمنظمات الدولية مفيدة للبشر بصورة أساسية ومباشرة. لذا كان جوهر معايير هذا المؤشر قائماً على ما تفعله تلك البلدان في هذا السبيل، وليس للوضع الاقتصادي في البلد دور في ترتيبه على الإطلاق. وقد قسمت مكونات المؤشر إلى سبعة أقسام: العلوم والتكنولوجيا - الثقافة - الصحة والرفاه - العدل والرخاء - مناخ الأرض - النظام العالمي - الأمن والسلم الدوليين. لفت نظري أن إيرلندا - التي احتلت المركز الأول في هذا المؤشر - قد تفوقت على فنلندا (ذات المركز الثاني)، التي كانت تقدمت العالم باحتلالها المركز الأول في مستوى التعليم فيها. وهذه هي فعلاً المنافسة المشرفة، والمنبئة عن وعي حضاري، وحرص على ترسيخ وجودهم في بناء التاريخ البشري، والاهتمام فعلاً - لا قولاً - بالإنسان. كما كان جديراً بالملاحظة أيضاً خلو القائمة الإيجابية من البلدان العربية والإسلامية، التي اكتفى بعضها باحتلال ذيل القائمة، فأين ادعاءات هذه الشعوب الضوضائية، بأنهم يخدمون البشرية، وأنهم ينشرون العدل والسلام والرخاء، كما يشير بعض أسماء الأحزاب في عدد من البلدان العربية والإسلامية؟ بل إنني عندما تأملت في بعض تلك المشكلات العويصة - التي حلت بالمجتمعات البشرية في العقود الأخيرة - وجدت أن لنا نصيباً كبيراً من مسببات تلك التحولات؛ سواء تعلق الأمر بالاضطرابات، التي أدت بالناس إلى النزوح والهجرة الجماعية، أو باختراع أساليب العنف والإرهاب، الذي أصبح أحد سماتنا التعريفية. عندما تناقشت مع صديقي بهذا الشأن، قال: العيب في المؤشر؛ فلو وضعوا أحد عناصره "نشر الكراهية" على سبيل المثال، لوجدت التنافس بين عدد من البلدان العربية والإسلامية على أشده! ألا ترى أن الغرب - الموسوم عندنا بالفساد - قد ابتكر الانترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، ليتواصل الناس البعيدون بعضهم عن بعض، فاستخدموها في هذه البقاع غير الفاسدة للشتائم، وإيجاد الشحناء بين الناس. وفي هذا الأمر وافقته، وقلت: نعم، لقد صدق صاحبنا الأستاذ إبراهيم البليهي في مقولاته التي يرددها بحرقة: إننا أصبحنا عبئاً على البشرية!