عبدالله الغنام

رمضان همة تلامس السحاب

لا شك في أن رمضان يأسرك بروحانيته، فإن له طعما ومذاقا خاصا عن باقي أشهر السنة، يخصص البعض منا معظم أوقاته للعبادة بين صيام وصلاة وقراءة قرآن وغيرها من أعمال البر والخير ، وتلك - بلا شك - من مقاصده الرئيسة، حيث الارتقاء بالنفس من وحل الأرض إلى نقاء السماء.لكن الواقع - وللأسف - مختلف، فنحن نتفاوت فيما بيننا في الهمم ما بين مكثر ومقل؛ ولهذا هناك أعمال أخرى يمكننا القيام بها أيضا خلال شهر رمضان الكريم. والأمثلة على ذلك كثيرة منها التخلص من بعض عادتنا السابقة أو أن نضع لنا بعضا من الأهداف الواقعية، وكل حسب ميوله وقدراته، وها هنا بعض منها على سبيل المثال لا الحصر.أولا: عادة الأكل بكثرة وبشراهة، ونحن مشهورون بالكبسات والمشروبات الغازية، وتلك خصلة متفشية فينا، وربما نستطيع أن نتخلص منها أو على الأقل نقلل منها خلال هذا الشهر ليدربنا على الحمية الغذائية، ولعلنا نتفق على أن المعدة هي باب من الأبواب الرئيسة للأمراض والبدانة.ديننا من أكثر الأديان التي تهتم بقضية التنظيم، لكن - للأسف - أننا أكثر الشعوب عشوائية !وقد قال طبيب العرب الحارث بن كلدة : "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء" وعلينا أن نتذكر جيدا أننا نتصدر قائمة الدول في الشرق الأوسط بالإصابة بداء السكري.ثانيا: أعتقد أن رمضان فرصة مناسبة جدا لمن أراد التخلص من عادة التدخين بأنواعه، خصوصا أن الصيام في هذه السنة ستكون ساعاته أطول، لأننا في فصل الصيف، ودعونا نتحدث عن الأموال التي تنفق على التدخين، فهي ربما أكثر إقناعا !! لأن المال عديل الروح كما يقال. إن بعض الدراسات ذكرت إننا نفق 45 مليون ريال يوميا على التدخين، بمعنى 16 مليار ريال سنويا، وهو رقم ضخم ودلالة ذلك أنه يقارب الناتج المحلي الإجمالي لدولة مثل زيمبابوي، وأكثر من الضعف لدولة مثل جبيوتي!! ولنتخيل الآن أن أحدا يجمع هذه الأموال ويحرقها أمام أعينيا سنويا، فماذا سنقول عنه ؟!ثالثا: ممارسة رياضة المشي، فمن المؤكد أن الزحام في رمضان سيبلغ أشده - لا محالة - وهو في كل سنة في ازدياد عن التي قبلها، لذلك لنعود أنفسنا على أن نوقف سياراتنا بعيدا عن الأماكن المكتظة والمزدحمة بالناس والمركبات. وبذلك نستفيد مما أسميه رياضة المشي تلقائيا، لأنه لو فعلنا ذلك عدة مرات في اليوم، فسوف نكون مشينا أكثر من نصف ساعة يوميا، وهو المعدل اليومي المطلوب صحيا. يقول الدكتور كين كوبر في بحث له : "إن رياضة المشي أفضل للصحة من الجري على المدى البعيد"، وإضافة إلى فوائده الصحية، هناك فوائد أخرى مثل عدم التضييق على الآخرين، تجنب الوقوف المزدوج (وهذا مما نبدع فيه!!).رابعا: العلاقات الأسرية والاجتماعية قد يكون شابها شيء من الفتور أو الانقطاع بسبب وتيرة الحياة المتزاحمة، ورمضان هو الوقت المناسب للتواصل بين الأسر والأقارب والأصدقاء، وربما هناك بعض من حبال الوصل قد انقطعت وهي تحتاج إلى وصال، وربما هناك نفوس تحتاج لإزالة ما تراكم عليها من أتربة الشحناء والتباغض.  خامسا: إن ديننا من أكثر الأديان التي تهتم بقضية التنظيم، لكن - للأسف - إننا أكثر الشعوب عشوائية ! وعندما نسمع كلمة تنظيم ينتابنا شيء من الهلع مع أن الأمر ليس بذلك التعقيد الذي نظنه. لأن الوقت قد قسم لنا تلقائيا، فهناك أوقات للسحور والإفطار وفيما بينهما أوقات للصلاة، وما علينا سوى ملء الفراغ بين تلك الأوقات، وتوزيع الأعمال على المفيد والنافع لنا وللمحيط الذي نعيش فيه.  وأخيرا: لا يعني ذلك أن نفعل كل شيء في رمضان، لكن ممكن أن نختار هدفا أو هدفين على الأقل ونركز عليهما، إلا إذا كنت من أولئك الذين يريدون أن يدعوا من كل الأبواب، فتلك همة تلامس السحاب.