حسن السبع

الكاميرا.. تدلي بشهادتها

في مشهد واقعي مؤثر تسلّط الكاميرا ضوءها على سيدة نازحة في الخمسين من عمرها. الخلفية أرض جرداء وسلسلة طويلة من الخيام. تقول السيدة وعيناها تقطران حزنا: «منذ خمسين سنة ونحن ننتقل من حرب إلى أخرى»! خيمة في العراء.. هي مكافأة خمسة عقود من المواطَنة، ولا ذنب لتلك السيدة سوى أنها قد ولدت في هذا الجزء المضطرب من العالم. تنتقل الكاميرا، بعدها، إلى مكان آخر لتسلّط أضواءها على أحد نجوم المعارضة. يملأ الشاشة رجل في كامل صحته وأناقته. تعلو وجهه ابتسامة عريضة، ويظهر في خلفية الصورة برج إيفل. لحظات قليلة ثم يبدأ النجم المعارض مرافعة عصماء، هي شكل من أشكال التراشق السياسي الذي لا علاقة له بأحزان تلك السيدة النازحة، إن لم يكن أحد أسباب الكارثة. فحين يصبح الصدام هواية وغاية، يصعب التمييز بين المماحكة والاختلاف المنتج. وبين الاختلاف والخلاف الرامي إلى تفريخ الأزمات. حين يصبح الصدام هواية وغاية، يصعب التمييز بين المماحكة والاختلاف المنتج. وبين الاختلاف والخلاف الرامي إلى تفريخ الأزماتيذكرني هذا الموقف بمشهد من مسرحية (باي باي عرب). في ذلك المشهد الكوميدي يتم طرح توصية للتصويت. فيعترض أحدهم على التوصية ويوافق في الوقت نفسه: «أنا محتج وموافق»! وحين سئل: كيف يكون ذلك؟ اتضح أنه «معترض» على من صوتوا بالموافقة، و«موافق» ليخالف من اعترضوا. المهم هو أن يكون «ضد» شيء ما.   السلطة والمعارضة في محيطنا العربي وجهان لعملة واحدة. وأحسن وصف لخيبة الأمل في ذلك الثنائي العجيب، هو قول طرفة بن العبد: «كلهم أروغ من ثعلبٍ ما أشبه الليلةَ بالبارحة»!كتب جورج أرويل روايته الشهيرة (مزرعة الحيوان) في هجاء الأنظمة المستبده. واقترحت في كتابة سابقة أن يكتب أحد الروائيين العرب عملا مماثلا يتناول حالة التشرذم والانقسام وتعدد الرايات والشعارات واللافتات ويكون عنوانها (مزرعة البصل) مستلهما قول الشاعر علي الشرقي: «قومي رؤوسٌ كلهم.. أرأيتَ مزرعةَ البصل»!تنتقل الكاميرا مرة أخرى لتسلّط أضواءها على أحد نجوم الإعلام. والإعلام والسياسة لصيقان. والمنابر الإعلامية المقروءة والمرئية والمسموعة مرتبطة بأجندات مزرعة البصل ومسوّقة لها.. «كل يغني على ليلاه متخذاً ليلى من الناس أو ليلى من الخشبِ». يبدأ النجم الإعلامي تحليل ما يجري حولنا بطريقة سريالية. فتطفو على سطح الذاكرة شخصية (نفيسة) في مسرحية (المتزوجون) بطولة سمير غانم وشيرين. يسأل الزوج (حنفي) زوجته (نفيسة) عن رأيها في سياسة الوفاق، وأسباب الخصومة بين المعسكرين الشرقي والغربي (قبل تفكك الاتحاد السوفيتي) تجيب نفيسة قائلة: «يكونش فيه حد عامل لهم عمل»! يتميز (سي حنفي) غيظا ويتساءل ساخراً: «عمل؟ حَدْ حَ يعمل عملْ لروسيا يا ولية يا هبلة»!.في مزرعة البصل تلك، يتسمر بعضهم أمام الشاشة أثناء الأحداث الملتهبة، وكأنه جزء مؤثر في المشهد. لكنه ليس كذلك، بل هو مجرد مشاهد أو مستهلك للأخبار. فلا تأثير له على مجريات الأحداث. ولا سلطة له على اللاعبين. حتى اللاعبون لا حول لهم ولا طول. فهم يتحركون وفقا لإرادات أخرى. تماما كما تُحرك الأحجار فوق رقعة الشطرنج. «الغوغاء في الشارع والمحرضون بين الجدران». أخيرا.. هل يستطيع أحد الهرب من تلك الفوضى؟ يبدو أنه لا سبيل إلى ذلك، إلا إذا تحول إلى حجرٍ كالذي قال عنه تميم بن مقبل: «تنبو الحوادثُ عنه وهو ملمومُ»!.