خالد الشريدة

الطائفية العراقية تبرز مخالبها

في التاريخ ظل الأوروبيون يتقاتلون لمئات السنوات وكأن أشهر ذلك حرب المائة عام، لأسباب دينية وعرقية وأخرى تتعلق بالتوسع غير المشروع باستضعاف دول أو مجموعات لغيرها. وظهرت الإقطاعية بوجهها البغيض، وتلا ذلك وخلاله ظهور حركات فكرية مثل الليبرالية والإلحاد والعلمانية، وفي المحصلة تمييزات أساسها ديني أو اجتماعي أو فكري، غير أن ذلك أشعل الافتراق وعزز الشحن النفسي السلبي فتدمرت القارة العجوز، الى أن انتهت الى الحرب العالمية الثانية التي بدأها هتلر بغية التوسع الاستعماري وأيضا لسبب عرقي. فهو كان يرى أن الجنس الآري الذي ينتمي اليه يجب أن يسود العالم ويقصي بقية الأجناس فحفر قبره بنفسه وكان ذلك آخر عهد البشرية بالفوضى التي يمكن أن يرتكبها إنسان تحت شعارات. ولأجل أهداف غير إنسانية، وبهزيمته بدأت أوروبا طريق الاستقرار واستيعاب دروس المحن الطائفية والدينية والاجتماعية التي أرهقتها لقرون طويلة وجلبت لها الدمار والخراب.لم يكن لينقص العراق الثري بإنسانه ومذاهبه وأعراقه أن يحكمه متسلط لا يمتلك أدنى أفق سياسي حتى يثير حرائقه الكامنة تكرار سيناريو أوروبا - الذي لم يبق منه سوى تشظي الكنيسة الى ثلاث، كاثوليكية وأرثوذكسية وبروتستانت - يعتبر ضربا من الغباء، لأن التجربة مؤلمة بما أفرزته من عدم استقرار وموت ودمار، لكن بين ظهرانينا من يعيد ذلك على ذات القياس، على نحو ما يفعل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي شحن النفوس بمفاهيم وأفكار طائفية في بلد كان ينبغي عليه أن يتحمل مسؤولياته الأخلاقية تجاهه ويبعده عن شبح الحرب الأهلية تحت الحافز الطائفي. لكن ظل يفكر بصورة طائفية تتملكه حتى صنع التمايز الذي يشعل نار الحرب بين الطوائف العراقية الدينية والمكونات الاجتماعية.لم يكن لينقص العراق الثري بإنسانه ومذاهبه وأعراقه أن يحكمه متسلط لا يمتلك أدنى أفق سياسي حتى يثير حرائقه الكامنة، وما يحدث حاليا إنما هو النار التي تدمر البلد وتعيده الى جذور الفتنة النائمة التي لا يكسب فيها أحد أو طائفة. خاصة أن الجميع مواطنون أصيلون ينتمون الى تراب وطنهم وتغوص جذورهم في أعماقه، ولا يمكن إقصاؤهم، لأن رئيس وزراء فاشلا لا يحسن إدارة الدولة يريد أن يمارس دكتاتورية على شعبه، وينتصر بطائفته على غيره من مواطني الدولة. ذلك غير حكيم ولا يستقيم منطقا وعقلا، لأنه ليس هناك منتصر في حرب أهلية على الإطلاق، والتاريخ يخبرنا بكثير من الوقائع غير السارة، فلماذا يعاند ويسير بسفينة العراق ضد التيار؟المالكي ليس في قامة وطن كبير وعريق مثل العراق، وثبت فشله وخطؤه الذي يمتد ضرره الى خارج الحدود، طالما أنه فقد السيطرة واعتمد على الشحن المذهبي ليوهم العالم بأنه الضحية، وذلك بالتأكيد غير صحيح ولا يبرر سياساته الخاطئة. ففكره بالكامل قائم على قواعد طائفية استنصر بها حين تحقق الإخفاق السياسي في الخروج بالعراق من أزماته الى بر الأمان، وبالتالي هو غير جدير، وليس مؤهلا لاستيعاب المفارقات العراقية والوصول الى التوازن السياسي الذي يعمل على إشراك الجميع في الحكم. وهناك قلة في المعارضة ينبغي أن يكون لها دور يتناسب وحجمها الاجتماعي والسياسي وليس إقصاؤها عطفا على هويتها الدينية، والآن ليس أمام العراق من مخرج سوى رحيل المالكي، لأنه كل المشكلة وليس له دور في أي حل فقد استنفد أغراضه وأعلن فشله التام.