عبدالله الغنام

مليارات رمضان!!

كنا منذ زمن ليس بالبعيد ننتظر قدومه كانتظار العاشق الملهوف، ويبدو أن ذلك الشعور بدأ يخفت مع مرور الوقت، فمن الذي تغير نحن أم رمضان؟ الحقيقة ان نمط الحياة المتسارع هو الذي تغير فأثر فينا، ولعل التقنية الحديثة والتي شهدت قفزات نوعية في الفترة الأخيرة من كمبيوترات وفضائيات، وجوالات، وبرامج تواصل اجتماعية بمختلف أنواعها، كان لها الأثر البالغ في سلوكياتنا ونفسيتنا حتى في شهر رمضان.ومن تلك المؤثرات الدعاية الضخمة للمسلسلات والمأكولات، والتي نراها في مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، وكأن هذا الشهر فقط للفنون والبطون، ولذلك وددت أن أركز على هاتين القضيتين الرئيسيتين في هذا المقال. إن الملاحظ في رمضان من كل سنة ليس ازدياد انجازاتنا على المستوى الشخصي والأممي بل ازدياد أعداد المسلسلات فهنيئا لنا بذلك!! فعلى سبيل المثال بعض المواقع الالكترونية ذكرت ما يقارب من مائة وخمسين اسما لمسلسل ما بين معروض ومؤجل مخصص لهذه السنة من رمضان.إن قضية تكثيف المسلسلات في هذا الشهر دون بقية شهور السنة تبدو فعلا غريبة ومستنكرة، ولا بد من التفريق بين هذا الشهر وغيره ولو من باب الاحترام والتقديرإن قضية تكثيف المسلسلات في هذا الشهر دون بقية شهور السنة تبدو فعلا غريبة ومستنكرة، ولا بد من التفريق بين هذا الشهر وغيره ولو من باب الاحترام والتقدير أو من باب الحياء! لماذا تحشر فيه كل أنواع المسلسلات الغث منها والسمين إن كان فيها سمين! والأمر الآخر المستغرب ان بعضا منها يركز على قضايا غريبة ومثيرة للجدل، فهل هذا التركيز كان مقصودا أم انه من باب التسويق والدعاية، ولو على حساب قضايا أخرى أهم وأكبر تفيد المجتمع.إن الأمر المفترض والذي يبدو أنه يتناسق مع روحانية الشهر هو أن يكون الطرح العام للمسلسلات والبرامج يدعو إلى السمو والارتقاء بالنفس والأخلاق. هذا الشهر جاء لتهذيب النفوس البشرية، فهل الطريق الصحيح لذلك هو نبش قضايا أخلاقية شاذة أو قضايا لا تهم إلا شريحة قليلة جدا من المجتمع. وبالإضافة لما ذكر لماذا لا يكون التركيز على الجانب الاجتماعي الايجابي من مجتمعنا والذي لا يزال يرى الفضيلة والأخلاق هي الأصل والصواب؟ وذلك ما نريد أن نعززه في عقول وقلوب النشء، فهم الشريحة المستهدفة وخصوصا أنهم يعيشون في عصر الانفتاح التقني والعولمة. يقول الكاتب الأمريكي صاحب كتاب أراك في القمة: "ونفس هذا الخيال الذي تفكر به يكون مدمرا عندما تطبقه على المسلسلات اليومية الطويلة المملة".والمسألة الأخرى التي تكثر في رمضان أيضا هي الاهتمام بالبطون دون القلوب والعقول، وتلك معضلة متكررة سنويا لا بد فيها من الجدية في تغيير وتعديل هذه السلوكيات الخاطئة. ونقلا عن الزميلة صحيفة المدينة التي ذكرت أن استهلاك المواد الغذائية الشهري يرتفع من 7 مليارات إلى 20 مليارا خلال شهر رمضان وذلك حسب تصريح رئيس جمعية حماية المستهلك، بمعنى قفز معدل الاستهلاك الغذائي إلى ثلاثة أضعاف خلال الشهر الكريم!! إن الأمر واضح وجلي وربما لا يحتاج إلى أرقام وإحصائيات! فحمى الشراء للمواد الغذائية نراها بأم أعيننا، وهي تنطلق كالنار في الهشيم حتى قبل قدوم رمضان. والمتأمل إلى كمية الأطعمة التي تشترى يعتقد أننا جميعا صيام طوال السنة، فإذا جاء رمضان افطرنا!! ولن أكون قد أخطأت إذا كنت سأسميه شهر الفطور وليس الصيام، فنحن نأكل فيه أكثر مما نأكل في أي شهر آخر أو على الأقل نحن نشتري فيه مواد غذائية أكثر من أي شهر آخر، وتلك السلوكيات هي عكس المقصود من رمضان، ألا وهو تعويد الجسم على قلة الأكل إحساسا بالآخرين من الفقراء والمساكين، وتهذيبا للنفس عن رغباتها.إن مسألة الشراهة في الأكل هي أمر نفسي في الغالب، ولذلك أقترح أن يكون رمضان فرصة للتدريب على الحمية الغذائية، وان نخفض حاجاتنا الشرائية الغذائية ولو بمقدار عشرة بالمائة عن السنة السابقة، وأن نشارك بتلك القيمة (10%) من حولنا من المحتاجين والفقراء، فتلك من المقاصد الرئيسية للشهر الفضيل.