حسن السبع

الوليمةُ وهمية.. والدعوةُ عامة!

تتشابه التجارب الإنسانية فتتشابه - تبعا لذلك - حكايات وأمثال وحكم ونكات الشعوب المختلفة. سأختار نموذجا لهذا التشابه يتعلق بصفة الكذب، وأختار هذه الصفة لأننا نراها كل يوم تسعى على قدمين، وقد تجردت من الحياء، واستهانت بكل القيم الجميلة، نراها عبر الفضائيات والمنابر الإعلامية المقروءة والمرئية والمسموعة. ولأنها صفة مستهجنة في كل الثقافات، تأتي الأقوال والأمثال المتعلقة بها  متشابهة، فلكل ثقافة نسختها أو صياغتها الخاصة، غير أن المضمون أو المعنى واحد، وهو هجاء الكذب.  ومع أن الكذبة لا تعمر طويلا، إلا أنها تنتشر بسرعة مذهلة انتشار النار في الهشيم، وهناك عبارة طريفة بهذا المعنى تقول: "تستطيع الكذبة أن تلفَّ نصف العالم في الوقت الذي يلبس فيه الصدق حذاءه استعدادا للخروج"! في غالب الثقافات توجد الحكمة القائلة: "حبل الكذب قصير"، وتتفق هذه العبارة في مضمونها مع العبارة القائلة : "الأكذوبة كالسمكة فوق الرمال، لا تلبث أن تموت". وللكاتب الأمريكي الساخر مارك توين رأي آخر عبر عنه بقوله: "الفرق بين الكذبة والقطة هو أن للقطة تسع أرواح فقط"! وكلمة (فقط) تعني أن الكذبة أطول عمرا.  "تستطيع الكذبةُ أن تلفَّ نصف العالم في الوقت الذي يلبس فيه الصدقُ حذاءه استعداداً للخروج"!  وكما منح الخليل بن أحمد للشعراء بعض الجوازات للضرورة الشعرية، أجاز أفلاطون في مدينته الفاضلة للساسة الكذب من أجل مصلحة البلاد، غير أن كذب بعض الساسة في هذا العصر ذهب في الاتجاه المعاكس.لا دخان من غير نار إلا دخان الكذب، فهو دخان وهمي، وفي حين يقول جورج أرويل: "أكتب لأن هناك كذبة أريد فضحها، وحقيقة أريد إلقاء الضوء عليها" يكتب بعضهم لأن هناك حقيقة ما يريد طمسها، وكذبة يريد تلميعها.من الطرائف العربية طرفة "جحوية" تعبر عن حال من يكذب الكذبة ويصدقها. فقد شاهد جحا صبية يلعبون، وأراد أن يتخلص من إزعاجهم فأخبرهم أن هنالك عرسا في القرية تُولم له الولائم، وحين انطلق الصبية وتبعهم آخرون إلى حيث العرس، صدَّق جحا كذبته فلحق بهم حتى لا تفوته الوليمة المزعومة.ولأن التجارب البشرية متشابهة كما قلنا، فهناك في التراث الأفريقي حكاية (فولانية) مشابهة دوَّنها (أمادو همباطي با) في كتابه (حكايات حكماء أفريقيا)، جاء فيها أن ضبعة (أنثى الضبع) عثرت على جدي نافق، فحملته وابتعدت عن القرية استعدادا لأكله. لكنها لمحت قطيعا من الضباع مقبلا نحوها، فسارعت إلى إخفاء الجدي، وأخبرت القطيع أنه يوجد في القرية قطيع نافق، فسارعت الضباع نحو القرية مثيرة بقوائمها سحابة من الغبار. فقالت الضبعة: "ها كذبتي قد أصبحت حقيقة، وإن كذبةً لا يمكنها أبدا أن تثير وحدها كل هذه السحابة من الغبار"! ثم لحقت بهم، ويعلق المؤلف قائلا: تلك هي قوة الكذب، فبتكراره ينتهي الكذاب نفسه الى أن يصدق كذبته.وعند تأمل هاتين الحكايتين في ضوء ما يجري من أحداث هنا وهناك نستطيع أن نرصد كثيرا من الولائم الوهمية المزعومة التي أثارت سحبا كثيفة من الغبار؛ غبار المهرولين للظفر بها من الحمقى والمخدوعين. وهي ولائم وهمية لها منظِّروها ولافتاتها وأعلامها وضحاياها أيضا، والدعوة عامة! غير أن حبل الخداع قصير أيضا، لذلك يقول أبراهام لينكولن: "تستطيع أن تخدع كلَّ الناس بعض الوقت، وبعضَ الناس كلّ الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كلَّ الناس كلّ الوقت!".