تقويض روح الجمود
البشر يؤثرون ويتأثرون، وسيظلون كذلك. كنتيجة، تأثرت بشيء أجهله، جعلني في بداية هذا الصيف، أخوض معارك رأي مع ذاتي. قررت طرح سؤال على نفسي كل أسبوع، كمشروع سياحي، لتدوير ذاتي، بحثا، وتقصيا، وتأملا. سأقدم إجابة كـ(رأي)، قد نختلف عليه ونتفق، خاصة مع حرارة الصيف. الهدف الأسمى، التجوال سياحة في ربوع أبعاد السؤال، لتحريك الركود حوله. دعوة للتفكير، والتحليل، والاستنتاج، وتقديم الخلاصة. ليس بالضرورة أن تكون إجابتي، امتدادا لموقف محدد، أو معايشة لوضع، أو تأثرا بحدث. قد تتغير الإجابة في زمن آخر، وظرف مختلف. الإجابة تمثل حالة نفسية. طرحت الأسبوع الماضي السؤال الأول: هل نحن حضاريون؟! ردود أفعالكم شجعت على الاستمرار. في هذا الأسبوع أطرح السؤال الثاني: من هم أعظم البشر؟! سؤال من نفسي وإليها. الإبحار في أبعاد السؤال يحمل فلسفة. للبشر قادة، وعظماء رأي، ومفكرين، وعلماء، وحكماء في كل مجال. يجب تحديد ماذا نعني بقولنا عظماء؟! أطلق التفكير والتأمل في أبعاد السؤال، وشرائح العظماء وتعريفاتهم.هناك عظماء عبر التاريخ شرقا وغربا. بالنسبة لكاتبكم أرى أن أعظم البشر قاطبة هم الذين آمنوا برسالة الاسلام قبل الجهر بها وإعلانها. هؤلاء هم أعظم الناس قاطبة عبر التاريخ وحتى اليوم، وسيظلون كذلكلا أتحدث عن أفراد عظماء. أتحدث عن جماعة من النّاس كانوا عظماء بفعلهم. عملهم الجماعي وإجماعهم عليه، حتى دون علمهم، تحول إلى إنجاز بشري عظيم ومستمر. كنتيجة، هل الفراعنة الذين شيدوا الأهرامات عظماء؟! هل الصينيون الذين بنوا صور الصين المشهور عظماء؟! هل الذين خاضوا الحروب عبر التاريخ عظماء؟! أبحث بطرح السؤال عن صيغة لتعريف العظماء الذين أقصدهم. بنى الفراعنة الأهرامات، لكن ما تأثير هذا البناء على مسيرة البشرية؟! ماذا قدم هذا العمل للبشرية؟! يصعب أن أقدم جوابا مقنعا، يؤكد عظمته، وتأثيره على أجيال عصرنا الحاضر. كذلك صور الصين العظيم، بناء حجري طويل، يحكي حكايات، مثله مثل الأهرامات، هل هذه الأعمال عظيمة؟! تبدو عظيمة، لكن تأثيرها غير عظيم بمعايير البحث عن إجابة تخصني وحدي، تمثل ذاتي وفلسفتها. أبحث عن شيء آخر مختلف. أبحث عن إجابة تحقق استمرار عظمة تأثير إنجاز مجموعة من البشر، أبحث عن تأثير إنجازهم في مسيرة الحياة البشرية المستمرة، حتى وإن كان الإنجاز قرارا فقط. أبحث عن جماعة غيرت بأفعالها مجرى تاريخ البشرية إلى الأبد. لا أبحث عن فرد، فهناك من غير مجرى التاريخ، في كل مجال، ومازال البشر كأفراد يحققون الإنجازات. من هؤلاء العظماء مكتشف البنسلين الذي قضى على الكثير من الأمراض. منهم الطبيب الذي اكتشف جرثومة الطاعون، وأنقذ الحياة البشرية، منهم صاحب علم الجبر العربي، ومنهم مخترع (الصفر) العربي، الذي غير مجرى تاريخ العلوم والتقنية. هذا (الصفر) أسّس لعلم الحاسبات الآلية. هناك أفراد عظماء في مجال الفيزياء والطب، الجغرافيا والجيولوجيا، الزراعة والهندسة، وكافة أنواع العلوم وتخصصاتها. لكن أبحث عن مجموعة بشرية عملت بشكل فردي من أجل هدف واحد، كان لعملها تأثير كبير على مسيرة حياة البشر إلى اليوم، وسيظل. المتبنون الأوائل، هذا ما أقصد، المتبنون للأفكار والاختراعات والاكتشافات. هؤلاء من أعتبرهم من عظماء البشر، وأكثرهم شجاعة، وأنفعهم تأثيرا. ذهبوا وبقي للبشرية نتاج قرارهم، ربما تقدمت البشرية بهذا القرار وربما تأخرت أيضا. المتبنون الأوائل ناس يمتلكون روح المغامرة والجرأة، يمثلون طلائع التغيير سلبا أو إيجابا. الحديث سيكون عن هؤلاء الذي يمثلون طلائع التغيير نحو الأفضل، عن هؤلاء أبحث وأتحدث، هم موضوع سؤال المقال. وبعد أن تحددت الرؤية لكم، ابحثوا في ذاتكم عن إجابة مقنعة لكم، قبل أن تكون مقنعة للآخر. فكروا، تعقبوا الإنجازات، قارنوا، وحللوا، واستنتجوا. نحن نمثل الماضي ونتائجة، نعيش الحاضر لنمهد لأساسات المستقبل، نشكله اليوم بقراراتنا. هل سنكون من عظماء التاريخ؟! هل سنصبح في قائمة المتبنين الأوائل، أصحاب الروح القيادية المستقلّة؟! هل هؤلاء المتبنون أصحاب ذات رفيعة الشأن والسمعة؟! قد لا يكون لهم أي بريق في هذه الحياة، لكن قرارهم كان شجاعا وعظيما. قرار جعلهم عظماء عندي وأمثالي. قد لا يملكون شيئا في هذه الدنيا، لكن قرارهم كان نقطة تحول عظيمة، تبنّوا أشياء جديدة، تعارض ما ألفوه، وألفه النّاس من حولهم. دخلوا مغامرة التجربة الجديدة، بقرار شخصي وقناعة ذاتية، تحمّلوا النّتائج بشقيها الإيجابي والسلبي. البعض دفع حياته ثمنا لقراره. هناك عظماء عبر التاريخ شرقا وغربا. بالنسبة لكاتبكم أرى أن أعظم البشر قاطبة هم الذين آمنوا برسالة الاسلام قبل الجهر بها وإعلانها. هؤلاء هم أعظم الناس قاطبة عبر التاريخ وحتى اليوم، وسيظلون كذلك. هؤلاء تخلّوا عن رصيدهم التاريخي والاجتماعي والثقافي. صدّقوا ما نادى به الرسول صلى الله عليه وسلم. هؤلاء الأوائل تبنّوا الدعوة كمنهج وفلسفة لحياتهم، أسسوا لمستقبل الإسلام. هؤلاء ضحوا بكل شيء، عانوا الأمرين النفسي والجسدي، هاجروا في مشقة، عانوا الجوع والحرمان، تحملوا من أجل إيمانهم العميق، بدعوة التغيير التي حملها اليهم محمد صلى الله عليه وسلم. من هم هؤلاء؟! في غالبيتهم كانوا أقل القوم شأنا، منهم العبيد والخدم والمستضعفون. هذا (بلال بن رباح)، تحت وطأة التعذيب وجبروت الاستكبار يردد: (أحد أحد). قراره الشخصي لم يغير مسيرة البشرية، لكن مع حزمة قرارات الآخرين من أمثاله، جعل للموقف الفردي قوة، وسطوة، وثباتا، ونفوذا، كانوا أساس بداية مشوار الإسلام، فكر وعقيدة وفلسفة حياة. دعوة جاءت ضد رتابة التاريخ والمعتقدات. بقرار هؤلاء المتبنين الأوائل للإسلام، تغيرت اتجاهات البشرية ومعتقداتهم. اليوم أكثر من مليار مسلم يحملون ما حمله هؤلاء الأوائل.التغيير يبدأ صغيرا، لكنه يكبر مع أهميته وأهمية فهمه للمستقبل. هذا الإنجاز عبّر عنه عمر بن الخطاب بقوله: ((نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله)). هل كان يقصد العرب. كان بلال رضي الله عنه من خارج العرق العربي. الإسلام للجميع، هذا ما جعل المتبنين الأوائل للإسلام عظماء على امتداد التاريخ.