تبلور أدوات الصراع في الأزمة الليبية
منذ سقوط نظام العقيد القذافي، وإعلان نجاح ثورة السابع عشر من فبراير 2011م في البلاد الليبية، عرفت أوضاع البلاد هناك عدة تسميات وتوصيفات للأوضاع على مدى تجاوز العامين، فمن المراقبين من وصف الوضع في ليبيا في أعقاب الثورة بالوضع المنفلت أمنياً، ومنهم من ركز على غياب الدولة المركزية وغياب مظاهرها السيادية العامة، بينما وصفت بعض المراحل بأنها مراحل سيطرة الجماعات المسلحة، المكونة من فيالق ودروع وقوات جهوية وقبلية ومناطقية. ورغم كل تلك الأوصاف المروعة، والتي تفيد بغياب الدولة والمؤسسات والنظام، فإن الليبيين عبر آلياتهم الخاصة استطاعوا المحافظة على مستوى من التنافس، دون الدخول في مربعات الصراع المادي، بما يعني أنه كان هناك تنافس وصراع سياسي ومناطقي وقبلي إلى حد بعيد، وفي ذات الوقت تمت المحافظة على مسافة معينة من الصراع الحقيقي.نفس الموضوع حدث مع عمليات التفاوض الصعبة والشاقة، والتي لم تأت ثمار ملموسة حتى الآن بين حكومة زيدان والمؤتمر الوطني الليبي العام، وبين الجماعات المطالبة بانفصال إقليم برقةمن أشهر الخطابات التي يتلمس عبرها المراقب هذه الجزئية خطاب السيد علي زيدان، بعد إطلاق سراحه من عملية اعتقال سريعة قامت بها بعض الجماعات المسلحة، حيث قرر مواصلة عمله والتسامي على كثير من الاعتبارات؛ لإبعاد شبح الصراع بين الليبيين، نفس الموضوع حدث مع عمليات التفاوض الصعبة والشاقة والتي لم تأت ثمار ملموسة حتى الآن بين حكومة زيدان والمؤتمر الوطني الليبي العام وبين الجماعات المطالبة بانفصال إقليم برقة، والتي تسيطر على حقول غنية بالنفط في المنطقة الشرقية، حتى إن المؤتمر الوطني والحكومة الليبية نفت مراراً التفاوض مع هذه المجموعات، في الوقت الذي كانت المفاوضات جارية بوساطة أعيان ورجال عشائر وبإشراف وزير من الحكومة المؤقتة. وبعد الوصول إلى مرحلة المواجهة بين قوات الجيش الليبي وبين جماعات مسلحة في المنطقة الشرقية، في قلب مدينة بنغازي، منذ منتصف ابريل الماضي، تأكد للمراقبين انتقال حالة التنافس بين الليبيين إلى مرحلة جديدة يمكن وصفها بالصراع، الجزء الذي كان غائبا حينها، وربما لا يزال في طور التشكل هو وضوح حدود الصراع، وتحديد أدواته، ونتائجه، وفيما يخص أدوات الصراع الحالي في ليبيا ونظراً لأهميتها في تحديد بقية العناصر، فان تلمسها ومحاولة تحديدها يعد أمرا بالغ الأهمية لقراءة مستقبل الايام القادمة في الأراضي الليبية. وعلى الرغم من صدور قرار المحكمة الدستورية العليا في ليبيا، ببطلان الآليات التي أوصلت السيد معيتيق إلى رئاسة الوزراء بتاريخ 9 يونيو 2014م، إلا أن أحد أدوات الصراع السياسي كانت قد تشكلت بوضوح حين اجتمع السيد معيتيق بأعضاء الحكومة في مقر رئاسة الوزراء عنوة، وعزز هذه الآلية السياسية البحتة، آلية أكثر فعالية في معطيات الصراع، وهي الآلية العسكرية التي تمثلت في القوة العسكرية التي أمنت للسيد معيتيق ورجاله التواجد في مقر رئاسة الوزراء بقلب العاصمة طرابلس، وهي قوات درع ليبيا ذات الانتماء التقليدي إلى مصراته. وعلى الجانب الآخر، وفي نفس الأسبوع أبانت زيارة السيد عبدالله الثني للمنطقة الشرقية ولمدينة بنغازي على وجه الخصوص وتفقد بعض مناطقها التي شهدت نزاعا وقصفا مسلحا؛ أبانت وبوضوح تبلور أحد عناصر الصراع وتأييده وتعمقت الصورة في حركة السيد الثني في المنطقة الشرقية بعقد اجتماع غير مسبوق في منطقة المرج، وبرفقة النائب الأول لرئيس البرلمان الليبي السيد عز الدين العوامي. حدثان مهمان في هذا السياق، وتصريح واحد، كشفت كلها عن تبلور أدوات الأزمة فيما يدور حاليا في ليبيا، التصريح كان في الاسبوع الماضي للناطق باسم القوات الليبية السيد حجازي والذي قال فيه: إن عملية الكرامة ومن خلال الطلعات الجوية الأخيرة بالطائرات على معاقل أنصار الشريعة وجماعات أخرى متحالفة معها، أتت أكلها وحققت 50 بالمائة من أهداف عملية الكرامة التي يقوم بها الجيش الليبي في محاربة الارهاب. في الوقت الذي أكد السيد خليفة حفتر قبل أسابيع بأن عملية تطهير البلاد على حد وصفه من الإرهاب قد تطول لعام كامل! هنا يتبلور عنصران.. الأول: عنصر ذو علاقة مباشرة بالصراع وهو العمليات العسكرية، وآخر يتعلق بجوهر الصراع وهو مدى وجود واستمرارية الفرقاء على الأرض. أما الأحداث التي ساهمت مؤخرا في تبلور أدوات الصراع بصورة أكثر وضوح فهي، استهداف مقر إقامة اللواء خليفة حفتر عبر تفجير انتحاري، قيل إنه كان موجها للقضاء على حفتر نفسه، واسفر عن مقتل عدد من الحراس ورجال الأمن، والحدث الآخر هو استهداف مقر دار الافتاء في العاصمة طرابلس بقذيفة من العيار الثقيل، وهنا يبرز البعد الرمزي في الصراع بوضوح أكثر، عندما تستهدف جهة كانت طوال الأزمات السابقة عامل تهدئة ونزع لفتيل الصراع المادي بين الليبيين.