حسن السبع

السادة المؤلّفون.. شدُّوا الحزام!

تحت عنوان «من قائمة الأكثر مبيعا.. إلى الإفلاس: هل هذه نهاية حياة المؤلف؟». كتب روبرت ماكرم في الأوبزرفر/ الأحد 2 مارس 2014 مقالا جاء في مقدمته العبارة الساخرة التالية «نبارك لك.. رواياتك تعتبر أعمالا أدبية متألقة، لقد أصبحت تقارن بـ كافكا. استعد للفقر»! ثم يستعرض الكاتب مجموعة من أسماء المؤلفين البريطانيين ممن أصابتهم حرفة الأدب، ومن ثمَّ فإن عليهم أن يشدوا الحزام. لكن المقال يركز بشكل رئيس على وضع الكاتب البريطاني روبرت تومسون كنموذج لكاتب ناجح إبداعيا مزعزع معيشيا. كل ما يريده هو حفنة جنيهات تسمح له بالتفرغ للكتابة.لا يستطيع من يحمل همّ غَدِه أن يكون صافي الذهن رائق المزاج فيبدعيريد تومسون أن يتبع الاقتراح القائل: «لا تنشغل بغير الطريق». والطريق هنا هو طريق الكتابة والإبداع. إذ لا يستطيع من يحمل همّ غَدِه أن يكون صافي الذهن رائق المزاج فيبدع. قبل ذلك قال غارسيا ماركيز عبارته الشهيرة: «لا أستطيع أن أكتب بمعدة خاوية». تومسون نفسه فكر في إيجاد وسيلة أخرى لتأمين خبزه اليومي. تلك هي حال الكتاب الكبار في البيئات الثقافية القارئة، فما بالكم بحال الكاتب في البلدان العربية حيث لا يتعدى متوسط قراءة الفرد ست دقائق في العام؟  ترتبط الأزمة التي يمر بها الكتَّاب في بلدان الغرب بالوضع الاقتصادي الذي تمر به أوروبا. لكن للمشكلة في بيئات ثقافية أخرى مظاهر مختلفة ناجمة عن خلل ما. فلا يكفي في هذه الظروف أن تكون مبدعا ومميزا لتشق طريقك إلى النجاح، وعلى مستوى الكتابة فقد لا تكون الأهمية للأفكار بل للأشخاص. وقد تنال الضحالة الصدارةَ والمساحة الأوسع. «ومين شايفك يا اللي في الظلام تغمز». كما يقول المثل الشعبي. والظلام هنا هو ظلام الذائقة وظلام المعايير والأوضاع الثقافية والاجتماعية الشاذة.هنالك اهتمام بالعرضي والزائل، وتهميش للأصيل والراسخ. وهنالك فرص تتاح للعابرين على الطريق أكثر من الفرص التي تتاح للمقيمين على أرض الإبداع. فقد تسمع أن فلانة بنت فلان قد فازت بجائزة «شيّلني واشيّلك» في الأدب.. وما سمعنا أو قرأنا لفلانة هذه من قبل. وفلانة أخرى ترجمت قصائدها إلى اللغة الهوساوية، ولم نسمع بهذا الاسم إلا بعد تلك الترجمة. أما فلان فقد مثل تيار الشعر التقليدي والحديث في مهرجان الشعر المقام في جزر واق واق، ولم يكن لهذا (الممثل) حضور ثقافي بارز.  هكذا تبزغ الأسماء بسهولة وتختفي، كذلك، بسهولة. نجاح مبكر، وتكريم يمنحه من لا يملك الذائقة السليمة لمن لا يملك الموهبة. لكنك قد تفاجأ بأن إنتاج النماذج الثلاثة هو الأكثر انتشارا.وإذا تجاوزنا هذا الوضع الشاذ في عالم الكتابة، فإن للاهتمام بالعرضي والزائل في عالمنا مظاهرَ كثيرة. لاحظ، على سبيل المثال، كيف تثير «عثرت الفنانة جنيفر لورنس، أثناء توجهها إلى المنصة لاستلام جائزتها كأفضل ممثلة»، ضجيجا إعلاميا أكثر مما يصاحب صدور رواية جديدة لـ «إليف شافاق» مثلا. قارن أيضا بين الوضع المالي للسيدة الروائية والأخرى الممثلة.أما التكريم فإنه غالبا ما يأتي متأخرا، فهو أشبه بقبلة الوداع الأخيرة. وقد تأتي هذه القبلة على شكل درع، مع أن البيت مليء بدروع التكريم. لذلك فقد قلت في مقال سابق: خير للمرء أن يكون أديبا وسبَّاكا من أن يكون أديبا فقط!