د، محمد حامد الغامدي

سؤال يرمز إلى حقيقة ضلّت سبيلها

في لحظة ليس لها تفسير، سألت نفسي: هل نحن حضاريون؟! ذهبت بالرّأي يمينا ثم شمالا، اتجهت شرقا ثم غربا. أبحث عن إجابة أشبه بالخوض في ماء البحر. أخيرا رست مراكب السؤال، بتطلعات لا تتوقف، أفضت إلى مقابلة مع النفس. أبحرت في أركان الذات، بحثا وتقصيا، أنقل ما رأيت وشاهدت، بدون رتوش. ليس بالضرورة أن تحظى الإجابة برضاكم، لكن من الواجب، أن تكون صادقة. هكذا ركبت رأسي، بحثا عن الإجابة.جاء السؤال في أحد الشوارع، نموذج حالة المزاج العربي المتغير المتقلب. صباحا، أعبر عبر التقاطعات، حولي بشر لا أدري إلى أين يتجهون؟! في ماذا يفكرون؟! لا أعرف مستوياتهم العلمية والاقتصادية؟! من مجتمعي، أهلي وربعي وعزوتي، وضيوف يعيشون بيننا. أعرف حقيقة واحدة، يحملون أشياء بعقولهم، قد تكون ثمينة وقد لا تكون. الأهم، جميعنا قيمة إنسانية، وشأن لروح، وكرامة لنفس، وعقل يستوعب استحقاقات المستحيل.تخلى الجميع عن رؤية المستقبل بشكل صحيح. غاب مبدأ التمسك بتحريك مكارم الأخلاق. غاب التحفيز لضبط إيقاعها في كل مناحي الحياة المتجددة.هل نحن حضاريون؟! سؤال من نفسي وإليها. يا لعظمة الحوار مع الذات. سوف يأتي الجواب بصدق، حتى وإن كان بغير ذي قيمة للبعض. أحمل ذاتا عاشت أجيالا، قرأت حضارات وقيما، عانت، كافحت، أعطت، أخذت، ربحت، خسرت. الأهم أنها ذات أكاديمية المهنة. لكل منّا مهنته، لا أدري من اخترع مهنتي، لكن أعرف ماذا تعني، وبشكل فلسفي عميق.تأتي إجابة السؤال، ومعها تظهر معضلة التبرير. هذا يعني انتقالي من مرحلة سؤال، إلى مرحلة سؤال آخر: ما مبررات الإجابة؟! تذكرت الأسئلة في مسيرتي التعليمية: (عدد، اذكر، علل، أجب، اشرح)، هناك غيرها تعلمتها في النصف الثاني من الكرة الأرضية: (اختر، عّلم، حدد). كل الأسئلة تبحث عن إجابة. الأسئلة العظيمة ليس لها إجابة، لها بحث مهني يقود إلى الإنجازات.إجابتي فاجأتني، اقشعر البدن، الحقيقة تمثلت لي عارية. إجابة كانت، وما زالت، وستظل تحمل فلسفة لها أبعاد. الإجابة تقول: نحن غير حضاريين. تؤكد الإجابة أننا أقرب إلى مؤشرات (غير حضارية) منها إلى المؤشرات الحضارية. (غير الحضارية) مرحلة من مراحل التخلّف والقصور. لكي لا نتوه في التأويل والتفسير، هذه بعض مؤشرات التخلف، يكفي أن يحمل الفرد واحدة من مؤشراتها، ليصبح (غير حضاري): (المطالبة بالحقوق الشخصية وتجاهل حقوق الآخرين، عدم الانضباط، عدم الالتزام، عدم احترام الرأي الآخر والقوانين والأنظمة. ومنها أيضا التقاعس، التحايل، الكذب، الظلم، عدم الوفاء، وغياب الأمانة والعدل). هناك مؤشرات في كل مجال. وجدنا أنفسنا (مبرمجين) لحمل هذه المؤشرات، جعلتنا نعيش خارج المحيط الحضاري.الإجابة تحمل ملامح فاجعة لي ولكم. هل نحن كذلك؟! لنتجرد من العنتريات والمغالطات. لنواجه أنفسنا بالسؤال الذي لن يتوقف مدى العمر: (لماذا؟!). هناك إجابات، لن أسمعها منكم، لكنكم ستعرفون إجابتي، أقدمها كرأي، لنختلف حوله أو نتفق، المهم أن نبحث عن الحقيقة. الإجابة تكشف جوانب من شخصيتي، وفهمي، وفلسفتي، (منهجي في الحياة). هل ستعطي الإجابة صورا جميلة، ذات مدلول صحيح وناضج؟! أنتم هنا الخصم والحكم. الهدف التزود بالمعرفة، عن طريق تحريك الركود القائم حول السؤال.لماذا الإجابة بتلك الصورة؟! كوننا أقرب إلى مؤشرات (الهمجية) منها إلى مؤشرات الحضارة يعود إلى (البرمجة). نحن (مبرمجون). وجدنا أنفسنا في برمجة ثابتة، ننقلها من جيل إلى آخر، لم يتم إعادة تجديدها، وتنشيطها بنسخ جديدة، رغم كونها موجودة إلى يوم البعث. رسولنا (محمد صلى الله عليه وسلم) قال: (إنما أتيت لأتمم مكارم الأخلاق). هذا أساس تحريك النّاس حوله (صلى الله عليه وسلم). استوعبوا، تبرمجوا، تغيروا، غيروا، فبنوا حضارة ومجدا. لكنها عادت إلى الوراء، عندما توقفت برمجة الأمة لتحقيق التغيير الأخلاقي المستمر نحو الأفضل. تجمدت الأمة وتسمرت أمام نقاط اختلاف، لم تخرج من دوائرها حتى اليوم. كنتيجة، أخذت تعيد برمجة نفسها بقيم محاور تلك النقاط، كأن الزمن توقف عندها، الخروج منها وعنها وصل إلى حد اعتباره زلّة عظيمة.تخلى الجميع عن رؤية المستقبل بشكل صحيح. غاب مبدأ التمسك بتحريك مكارم الأخلاق. غاب التحفيز لضبط إيقاعها في كل مناحي الحياة المتجددة. الأخلاق أساس كل برمجة، تحكم العطاء، والسلوك، والتصرفات. هي العمل والإنجاز والأمانة والقوة. تظل مكارم الأخلاق كل شيء في حياتنا الحضارية. هي محور الذات ونسيجها القوي.لنسأل: ما الفرق بين أن تكون متحضرا أو أن تكون غير حضاري؟! الفرق يأتي من قاعدة بيانات مكارم الأخلاق. قاعدة تمثل الشيء ونقيضه. ما الذي يجعل الأخلاق الحضارية تقضي على الأخلاق الهمجية؟! عندما يعتمد منهج حياتك وحياتي على قناعة التمسك بالأخلاق الحضارية، تكون النقلة عظيمة نحو الحضارة. تظل الأخلاق العامل الأصعب، لكنه الأسهل عند النفوس القوية. حتى الإدارة ونجاحها جزء من مكارم الاخلاق. إدارة الناس والأعمال، إدارة الموارد والمصانع، إدارة الوقت، إدارة السيارات والشوارع والأرصفة، وحتى إدارة الذات. كل هذه الادارات وغيرها عبارة عن قوالب النجاح والروح الحضارية المنشودة. هذه الإدارات أساسها الأخلاق، وعليك استنتاج مدى حضاريتك ومدى همجيتك.وحتى أدفع بالإجابة نحو الطريق الصحيح، لابد من الأمثلة التي تزيد من تركيز الإجابة بدلا من تشتتها نحو إجابات أخرى مطروحة. لدي مثالان جاهزان نعرفهما بالمعايشة، أو بشهادة من عايشوها. تقلد الدكتور غازي القصيبي (رحمه الله) مهام وزارة الصحة، خلال ستة أشهر، عاش الجميع حضارة إتقان الخدمة والتعامل والأداء. جودة، كانت الأخلاق أساسها، وأيضا شهرتها ونجاحها.المثال الثاني، كيان قائم، يعيش معنا كالغريب. لم نستطع استنساخه. لننظر لمجمعات (ارامكو) وخاصة السكنية، قارن بالأوضاع من حولك. نفس الأرض والمناخ، نفس الماء والبشر، لكن النتائج تختلف. تخرج من بيئة (ارامكو) لتجد مؤشرات التخلف والتناقضات، رغم اتساع مساحة الإمكانيات التي تدفع بها الدولة عبر الميزانيات الضخمة. يظل الإنسان بمكارم الأخلاق وفهمه وتطبيقه لفلسفتها، المحور الأهم في كل مجال.