الطريق الآخر للحرية
نحاول أن نعلي كثيرا من قيمة الحرية، لكننا نجد أنفسنا في معظم الظروف ننتهج ذلك قولا لا عملا! كثيرون هم من يجيدون رص النظريات والمقولات والأحكام المتعلقة بها، لكنهم يفشلون في تطبيق أبسط بنودها الفعلية على أرض واقعهم الاجتماعي والثقافي.. بعضهم مثلا يطالب بحرية الرأي، واحترام الرأي الآخر، لكنه في أغلب نقاشاته يصادر رأي المختلف ويتعدى عليه.. بعضهم يتحدث بغلو عن الحقوق وينتقد بقسوة كل من يحاول انتهاكها، لكنه لا يزوج إحدى بناته إلا بالطريقة التي يراها "هو" مناسبة له، متجاهلا الطرف الأهم في القضية!! هذه نماذج بسيطة يمكن إسقاطها على كثير من الظروف والأحوال. نحن محاطون بصخب العبارات والشعارات المتعلقة بالحقوق والحريات الشخصية، هذا الصخب قد يوهمك للحظات أنك تحظى بأعلى درجاتها، لكننا في حقيقة الحال نعاني ضعفا حادا فيها.. مشكلتنا معها تتمحور في بعدين. الأول: أن البعض يطالب بالحرية بتفان كبير عندما يتعلق الأمر به، لكنه يقف علىنحن محاطون بصخب العبارات والشعارات المتعلقة بالحقوق والحريات الشخصية، هذا الصخب قد يوهمك للحظات أنك تحظى بأعلى درجاتهاالنقيض من ذلك عندما يتعامل مع حقوق الآخرين! أما البعد الثاني من المشكلة فيظهر في أن هناك فئة تعتقد أنها "حرة" وأنها تفكر بطريقة خالية من القيود، وتعزو جل مشكلاتها التي تعانيها إلى الظروف والأقدار، ولم تدرك بعد أن سلب الحرية في التفكير عن طريق "الأدلجة" و"التضليل" هو السبب في أكثر المشكلات التي يعانيها الأفراد بشكل عام في حياتهم. ولتقريب الصورة أكثر، أذكر هنا هذا المثال: أحد الأزواج كان يكره زوجته كرها شديدا "وهذا الوصف على لسانه" وكان يقول إنه أخذ استشارات عدة من أخصائيين اجتماعيين ونفسيين وأقارب، حول بحث قرار الانفصال عن زوجته، ولأنه كان مرتبطا معها بطفلين جاءت معظم النصائح والحلول التي تلقاها من الفئة السابقة تصب في قرار محاولة الإبقاء على زوجته وتحمل مرارة كراهيتها، والزواج من أخرى في حال تعسر كل الحلول!! المهم أن هذا الزوج حتى هذه اللحظة لا يزال يعاني في هذا القفص، والمشكلة أن زوجته أصبحت تبادله ذات الشعور، ولا حاجة لنا هنا بذكر انعكاسات ذلك على الابناء بتفاصيل أخرى، لأن ذلك لن يستعصي على فهم أحد. الغريب أن هذا الرجل لم يعط أهمية لتفكيره الحر والمستقل، فأخذ يستشير ويستشير، ومن ثم اتخذ قراره بناء على طريقة التفكير الجمعي للمجتمع، ولم يهنأ، ولم تحل مشكلته..لم يدرك بعد أن الناس يتواترون في احكامهم ونصائحهم بآراء ثابتة وجبرية، تفرضها دائما العادات والتقاليد وليس الحلال والحرام أو الحكمة والمنطق. لست هنا من دعاة الطلاق وتفكك الأسر، لكني ضد تضييق الحرية والاختناق في القوالب التي يرسمها لنا المجتمع والتفكير بطريقة العقل الجمعي للمجتمع. ففي مقابل النموذج السابق (للزوج الحزين) أعرف امرأة أربعينية أما لستة أبناء، وضعت حدا لحياتها الزوجية وانفصلت عن زوج، وصفت حياتها معه (بالجحيم).. تقول: عندما تزوجت بآخر اتهموني بما لا يليق من الوصف، قالوا متمردة وجاحدة للعشرة، اتبعت رغباتها على حساب أبنائها!! أما أنا الآن، فأنعم بحياة هادئة ومستقرة مع زوجي الحالي، وأرى أبنائي يعيشون بهدوء، بعيدا عن ضجة المشاكل والخلافات السابقة، لن أعير اهتماما بعد الآن لما يقال، فصوت المجتمع والعيب والعادات هو الذي ابقاني في الجحيم مع ابن عمي سنوات طويلة، وعندما صممت أذني عنه اتخذت قراري بحكمة. الخلاصة هنا، كونوا أحرارا ولا تفكروا دائما "بعقلية المجتمع الجمعية".