د. سعود بن عبدالله العماري

الواسطة ودورها في انتشار الفساد

إن قضاء حوائج الآخرين يعد عملاً محموداً إلا أنه يجب ألا ينتهك حقوق الغير، أما الواسطة الجائرة التي تعاني منها مجتمعاتنا فهي القائمة على المحاباة والظلم وهضم حقوق الآخرين، لأنها لا تقوم على مبدأ التكافؤ في الفرص، وإنما تهدر كل قيمة حقيقية لامتلاك المؤهلات والخبرات والكفاءات، الأمر الذي يؤدي إلى غياب العدالة والمساواة في الحصول على فرص العمل سواء في القطاع العام أو في القطاع الخاص، ومنح هذه الفرص للأدنى دون الأكفأ بدون وجه حق. ويمكن تعريف الواسطة بأنها: «طلب المساعدة من شخص صاحب سلطة أو نفوذ يحظى بمكانة لدى من بيده القرار وذلك لتحقيق مصلحة معينة بغير حق لشخص لا يستطيع تحقيقها بمفرده لعدم امتلاكه المؤهلات والكفاءات والقدرات الفعلية التي تؤهله للحصول على هذا الحق». وهذا يعني أن الواسطة تقوم على التدخل لصالح فرد أو جماعة دون الالتزام بأصول ومعايير العمل والكفاءة اللازمة لأسباب قد تتعلق بالقرابة أو بتحقيق مصلحة خاصة، ويرجع ذلك إلى أسباب عدة أهمها ضعف الوازع الديني، وضعف دور الأجهزة الرقابية في ملاحقة من يخالف أنظمة البلاد في هذا الخصوص.ومعلوم أنه يترتب على الواسطة جملة من الآثار الضارة بالمجتمع، ومنها أن يصبح المجتمع قائماً على تبادل المصالح والمنافع وترسيخ جذور الفساد المالي والإداري، مما ينعكس على أداء وإنتاجية الموظف في المؤسسات الحكومية أو في القطاع الخاص، والذي سينعكس حتماً على أداء هذه المرافق أو الشركات. وقد عني نظام مكافحة الرشوة بالمرسوم الملكي رقم (م/36) في 29/12/1412هــ بجريمة الواسطة باعتبارها صورة من صور جريمة الرشوة، حيث ورد في نص المادة الرابعة من هذا النظام على أن «كل موظف عام أخل بواجبات وظيفته بأن قام بعمل أو امتنع عن عمل من أعمال تلك الوظيفة نتيجة لرجاء أو توصية أو وساطة يعد في حكم المرتشي». كما أكدت المادة العاشرة من هذا النظام على أن الوسيط شريك في الجريمة متى تمت هذه الجريمة. ولا يشترط في الوسيط أن يكون موظفاً عاماً بخلاف المرتشي الذي يشترط فيه أن يكون موظفاً عمومياً.ومن التجارب المثيرة للاهتمام تجربة أرامكو السعودية في التوظيف وكذلك برنامجها للتدريب والابتعاث، حيث يتم تقديم الطلبات وقبول المتقدمين بعد استيفائهم لمجموعة من الشروط والإجراءات عبر البوابة الالكترونية وبعد ذلك يتم إجراء اختبار القدرات لهم، وأخيراً يتم اختيارهم آلياً، وهذه الوسيلة تعد من أنجع الوسائل التي تمنع المحاباة وتمنح الفرص لأصحاب الكفاءة والجدارة والصلاحية. وفي الختام فإننا نأمل أن يتم تفعيل دور الأجهزة الرقابية في الدولة والحد من الصلاحيات الممنوحة للرؤساء والمدراء، ونشر الوعي الديني والثقافي وتكثيف ثقافة الإبلاغ عن الفساد، والعمل على تحديث آليات وشروط التقدم للوظائف من خلال لجان إشراف للتأكد من مطابقة الشروط على المتقدمين لشغل الوظائف والمناصب ممن يتم قبولهم، فضلاً عن تفعيل دور الوسائل الالكترونية في إجراء الاختبارات وقبول الطلبات حفاظاً على مستوى النزاهة في اختيار الكفاءات وأصحاب القدرات. ولا شك أن الحد من الواسطة سيؤدي إلى وصول الأكفاء إلى الوظائف التي يستحقونها، ويمكن أبناء هذه البلاد المباركة من الوصول إلى أقصى حدود إمكاناتهم والرفع من إنتاجيتهم ومشاركتهم بشكل فاعل ينعكس إيجاباً على نمو اقتصاد الوطن.