د. محمد الغامدي

هل نقضي على النخيل أم على السوسة الحمراء؟!

 في مجلة اليمامة، العدد (1313)، (5 صفر 1415/ 13 يوليه 1994)، كتبت مقالي الأول عن السوسة الحمراء، كان بنفس العنوان. بعد هذه السنين، أتساءل متعجبا، عن الوضع الزراعي برمته، عن مستقبل الزراعة في البلد. النتائج تثير علامات الأسئلة والتعجب. هل نعتبر فشل وزارة الزراعة في القضاء على السوسة الحمراء، مؤشرا آخر على غموض الرؤية والتعثر؟!   لم تتغلب على حشرة السوسة الحمراء الهندية الأصل، ولفشل الوزارة تاريخ وجذور. استوطنت الحشرة أرضنا المباركة. أخيرا صنعت لها تجمعات عاتية في القصيم. أصبحت شريكا في الحياة بيننا. أدعو الوزارة الترحيب بنشيد: أهلا أهلا بالضيف. أدعو المواطنين لإقامة الحفلات والعرضات، لتأكيد فرض شراكتها. أدعو لوضع صورها على الطوابع البريدية، اعترافا بإهمالنا و(تطنيشنا). ونتيجة لإهمالنا يقولون عنها حشرة مصدرها السعودية.  نعم حتى الفشل له تاريخ. الإهمال و(التطنيش)، مشكلتنا الكبرى. من خلال متابعتي للموضوع خلال السنين الماضية، ثبت أن الطالب «عبد المحسن محمد العبد المحسن»، بكلية العلوم الزراعية والأغذية، جامعة الملك فيصل، كان صاحب اكتشاف الحشرة عام (1987)، بمشتل بالقطيف. تعرف عليها بجهده الشخصي، أرسلها مع عامل زراعي هندي إلى الهند. عاد من إجازته برسالة، تفيد بمعلومات خطيرة، تحذر من انتشارها. في رسالتهم أوصوا بإزالة النخيل المصابة فورا، وعدم التفكير في العلاج نهائيا.في الأحساء اجتثت جرّافات الوزارة مليون نخلة، ورغم ذلك مازال تهديد الحشرة قائما. الوزارة لم تعلن عجزها، لكن الواقع يؤكد العجز. استشعر الطالب خطورة الحشرة، فنشر كافة المعلومات التي توفرت لديه في جريدة اليوم، العدد (4958)، في [11/5/1407 الموافق 11/1/1987]، صفحة (8). بعنوان: (حشرة غريبة تهدد نخيل المملكة).  فورا شككت وزارة الزراعة قائلة: (ما نشره الطالب في جريدة اليوم اجتهادات شخصية تفتقر إلى الحقيقة العلمية). يا للهول، طالب تنبّأ بحجم المشكلة والوزارة بكل إمكانياتها اعتبرتها اجتهادات. النتيجة ما نراه من معاناة، وما نسمعه من تهديد لوجود النخيل في كافة مناطق المملكة.  انطلقت الحشرة طائرة من مكان إلى آخر. مازالت طائرة رغم أطنان المبيدات الحشرية الضّارة، التي تم استخدامها لمكافحتها. يقول الرّاوي، للحشرة دورة حياة: (حشرة، بيضة، يرقة، حشرة). تضع بيضها في جذوع فسائل وأشجار النخيل. (اليرقة) الطّور الأخطر، تعيش داخل جذع النخلة كالفرّامة، الإصابة تعني موت النخلة خلال ستة أشهر. تتغذى اليرقات بعد خروجها من البيض على مكونات الجذع الداخلية، تحولها إلى عجينة متعفنة نتنة. في مقالي لليمامة، قلت:  «كان يمكن محاصرتها والقضاء عليها في القطيف، لكن هذا لم يتحقق، فانتشرت في بقية المناطق». في وقت مقالي عام (1994)، كانت خارطة انتشارها تتوسع. وصلت: «الدمام، الجبيل، الأحساء، الرياض، الدرعية، المزاحمية، تبوك، تيماء، البدع، وادي الدواسر، مكة، حائل، وقرية العليا». هذا يثبت لنا صحة المثل العربي القائل: «إذا فات الفوت ما ينفع الصوت». هذا نتيجة (تطنيش) وزارة لم تستشعر الخطر في حينه. وزارة ورّطت نخيل البلد في مشاكل ليس لها مبرر. بعد فضيحة انتشار السوسة، أخذت الوزارة بمبدأ الترقيع، فأصدرت قرارات شهيرة، كالعادة، كانت ومازالت حبرا على ورق، لعدم توفر ظروف، يمكن من خلالها تنفيذ القرارات بسهولة ويسر. اقترحت في مقالي بعض الإجراءات التي تساعد على تنفيذها، لكن لم يؤخذ بها حتى اليوم. من قرارات الوزارة التعجيزية رغم صحتها، أولا: «حظر نقل أي فسائل نخيل، من مناطق الإصابة، لباقي مناطق زراعة النخيل بالمملكة». ثانيا: «يقوم الفني المختص، بتحديد أصناف النخيل والفسائل، المعدة للتسويق من المزارعين، وكذلك عددها، وتاريخ منح شهادة المنشأ الداخلية، على أن تسجل البيانات في سجلات الوزارة، للرجوع اليها عند اللزوم». ثالثا: «يجب على الفني المسئول، وضع طوق من السلك المعدني، مبرشم من الطرفين، بقرص من الرصاص، يدمغ بختم، عليه شعار وزارة الزراعة، على شكل شجرة نخيل أو فسيلة، معدة للتسويق أو النقل لزراعتها». اهتموا بوضع شعار الوزارة على الختم. تمنيت أن تكون هناك صورة أيضا للمزارع، حتى يكتمل حديث السندباد، لتعديل مزاج السوسة الحمراء. لنواصل سرد أهازيج قرارات الوزارة، رابعا: «بعد التأكد من أن جميع النخيل والفسائل، التي تم خلعها وفصلها، عليها الطوق والقرص المعدني المختوم بشعار وزارة الزراعة، يمنح شهادة المنشأ الداخلية، مصدقة وموقعا عليها من مدير المديرية، والمهندس المختص، فيسمح بنقلها وتسويقها». قرارات تثير التساؤلات، تعطي مؤشرا على التخبط والارتجالية. قرارات الوزارة لم تتطرق إلى التأكد من عدم الإصابة. قرارات تتحدث عن شيء آخر، شهادة المنشأ. هل يدل هذا على اهتمام؟! انظروا إلى آخر فقرات قرارها: «جميع الأشجار والفسائل المعروضة للبيع والتداول، التي تكون مخالفة للتعليمات السابقة، سوف تصادر وتعدم بالحرق والدفن، ويتحمل صاحبها المسؤولية، وهذا ينطبق على أصحاب المشاتل الزراعية». نشيد انشائي وكفى. حتى مع التأكد من خلو هذه الفسائل وأشجار النخيل، من الحشرة وبيضها ويرقاتها، كيف يمكن تنفيذ تلك القرارات؟! نحتاج إلى مرافق من الوزارة لكل صاحب مزرعة نخيل.  السبب الرئيسي لتفشي انتشار سوسة النخيل، هو إهمال الإنسان في أداء ما يوكل اليه، وعدم اكتراث البعض بخطورة الحشرة. المكافحة تتم أولا من خلال الوقاية. الحشرة تستغل وجود (جرح) أو (شق) أو (فتحة) أو (ثقب) بجذع الفسيلة أو النخلة. كنتيجة، تجد الحشرة طريقها إلى داخل جذع النخلة لتضع بيضها. في الأحساء اجتثت جرّافات الوزارة مليون نخلة، ورغم ذلك مازال تهديد الحشرة قائما. الوزارة لم تعلن عجزها، لكن الواقع يؤكد العجز. التعويل على وزارة الزراعة مضيعة للوقت. أكثر من ربع قرن من الفشل، ساهم فيه أيضا الباحثون من ذوي الاختصاص في الجامعات السعودية. وحتى تجد الوزارة الحل، أقترح على المزارعين تغليف جذوع نخيلهم وفسائلهم، حتى بالقماش العادي. التغليف أكثر سهولة، وسيطرة، وأقل تكلفة، وأكثر نفعا من استعمال المبيدات الحشرية الضارة. ورغم كون هذا الاقتراح ساخرا، فقد يكون فيه كامل الحل.