مستقبل التعليم
هل يحتاج قطاعنا التعليمي إلى «أموال» لتطويره وتحسينه؟ سيعتقد كثيرون أن الإجابة عن هذا السؤال هي، نعم ثم نعم، لأن المال سيوفر البناء المادي الذي يحتضن العلم، وسيجلب العنصر البشري الذي تقوم عليه ركائز العملية التعليمية.. لطالما كان المال حلا لكثير من المشاكل الإنسانية في كل المجالات، سواء الاقتصادية منها أو السياسية بل وحتى الاجتماعية. لكن هذا المال الكريم الذي ضخ في ميزانية التعليم في المملكة - والحرص الدؤوب من قبل خادم الحرمين الشريفين على الارتقاء بالعلم - لن يحقق مراده ما لم يترافق مع أهم دعامة أساسية في العملية برمتها وهي، «قيم العلم».. منذ سنوات وميزانية التعليم الظاهرة لنا من خلال الأرقام المعلنة لم تكن قاصرة عن توفير بيئات تعليمية متكاملة في كل نواحيها المادية والبشرية، إنما قصورها كان بسبب اختناقها في مسارات ضيقة قد تكون بيروقراطية أو خططا تطويرية برؤى غير صائبة.بمقدمه حلت تغيرات كان الجميع ينتظرها من سنوات.. سيشكر التاريخ رجالا اهتموا ببناء الأمة على دعامة العلم ليس ذلك فحسب، فالسبب الآخر في رداءة التعليم وإعاقة كل خططه التطويرية لا يتوقف على النواحي المالية والمادية فقط، بل يتعداه إلى ما هو الأهم والأساس وهو "العنصر البشري" بفئتيه المعلمين والطلبة. لا يستطيع العلم أن يهذب ويرتقي بأفراد لا يرونه سوى معلومات يأخذونها ليقذفوا بها على ورق الاختبارات ويتخلصوا من حملها الثقيل. كانت وما زالت النظرة للتعليم من قبل متلقيه لا تتعدى كونه طريقا لوظيفة أو مهنة مستقبلية، وليس في ذلك عيب إلا عندما نحصر فوائده وأسباب طلبه في هذه الزاوية!! هذا العيب يقابله نظيره من الطرف الآخر وهم القائمون بعملية التعليم ذاتها من (المعلمين) الذين لا تتعدى نظرتهم له إلى أنه مصدر دخل ويؤدون متطلباته على مضض في ظل تذمر وسخط لا ينتهي على أوضاعهم. لو كانت هناك قيم متجذرة في الثقافة العامة بأهمية "العلم" بصفته أحد أهم عوامل تقدم الأمم والحضارات - وهو الفيصل في تقسيم وتصنيف الدول بين نامية وأخرى متقدمة - لكنا في غنى عن هذا العناء الكبير في محاولات الارتقاء به دوى جدوى. لم يدركوا بعد أن القيم هي ما يصنع العلم، وأن العلم يصنع المال، لكن ليس بمقدور المال أن يصنع العلم دائما، خاصة في أمة لا يتحرك فيها عطاء المعلمين إلا بشروط،في بلد تقفز فيه قلوب الطلبة فرحا بإجازات الكوارث، بمقدور أبنية من طين مضاءة بالأسرجة أن تكون بيئة تعليمية مخرجة لمبدعين؛ إذا توفر فيها طالب يؤمن بقيمة العلم ومعلم متفانٍ يخدم هدفا نبيلا.. يتعجبون ويستنكرون ظاهرة تمزيق الكتب وتشويه الممتلكات التعليمية في المدارس من قبل الطلبة بعد الانتهاء من الاختبار، بطريقة عجيبة وكأنها سلوك جديد بزغ فجأة من قبل ثلة من الطلبة لا تشمل الجميع!! رغم أنها ظاهرة موجودة منذ كنت في المرحلة الابتدائية، ومثار العجب والحزن والأسى هنا؛ أن التقدم التقني والمادي الذي استحدث في العملية التعليمية من تلك الفترة وحتى وقتنا الراهن لم يواكبه تقدم مماثل في قيم العلم، فلا المعلم ولا الأسرة ولا المنهج التعليمي استطاع بناء قيمة واحترام وهيبة (للعلم والتعليم). لكن رغم كل الظروف إلا أن أملا كبيرا ينتظرنا مع وزير التربية والتعليم، يبدو أننا سندخل مرحلة جديدة في ولايته الكريمة، فبمقدمه حلت تغيرات كان الجميع ينتظرها من سنوات. سيشكر التاريخ رجالا اهتموا ببناء الأمة على دعامة العلم.