محمد العلي

الثالث المرفوع

لست معنيا بالمعنى الفلسفي لهذا العنوان «الثالث المرفوع» سأترك ذلك للفلاسفة من ارسطو حتى آخر الفلاسفة الذي لا اعرف اسمه.قانون «عدم ارتفاع النقيضين» اصاب كل الثقافات بالعمى الفكري لقرون عديدة.. وقد تخلصت منه الفلسفة الحديثة، ففتحت ابواب الاحتمال والبين بين.. ولكن ما نصنع نحن الذين نعتبر الفلسفة رجسا من عمل الشيطان؟!نحن حتى الآن نؤمن ايمانا مطلقا بالثالث المرفوع.. هذا الذي خلفته الفلسفة وراءها، ويكذبه الواقع الانساني المعقد يوما بعد يوم.. وهذا ما يشعل بيننا جحيم المنازعات المتناحرة والصراعات التي لا تنتهي حتى لو غصت الارض بالاشلاء.هذا الربيع العربي الذي كنا ننتظره انتظار فيروز للقمر.. وهذا الذي حلمنا بأزهاره وأنهاره المتدفقة فكريا وجماليا وابداعا ورخاء.. هذا الربيع يبدو لنا الآن مفعما بكهوف التاريخ وخرافات الزمن العصيب وذهنية ذاك الذي قال:ونحن اناس لا توسط بيننا                   لنا الصدر دون العالمين او القبرالصدر ليس لك ايها السادر في وديان الوهم.. اما القبر فهو ينتظرك وان كنت لا تحتاج الى قبر، فأنت كما قال الشاعر القديم (انت ميت في جسمه مدفون).قانون "عدم ارتفاع النقيضين" هذا القانون الذي مات منذ زمن بعيد ما زال حتى الآن مسيطرا على معظم الذهنيات في عالمنا العربي البائس، لقد اصبح حتى عند اصحاب المرجعية الواحدة يتكلم بلسان الاحزمة الناسفة والخناجر المنقضة على الظهور.في تاريخنا نقطة مضيئة هي وقوف الخليفة عمر بن الخطاب ضد هذا القانون، حيث اوقف حد السرقة في عام الرمادة.. ومن العجب الذي يستبد بك وتحار هل تضحك او تبكي؟ ذلك الذي يصفعك عند الاطلاع على مواقع الاسلام السياسي، وترى عشرات التبريرات التي تقسم بأن الخليفة لم يوقف حد السرقة.. لان الحد هو شرع الله ولا يمكن لأحد ان يوقفه.ماذا يعني هذا الكلام؟يعني ان هؤلاء يعتنقون الافكار منفصلة عن الواقع فتبقى مثل غرس في الفضاء.. انهم ينسون قول احد فقهائهم الكبار «حينما تكون المصلحة فثم شرع الله».وعسير عليهم ان يعرفوا المصلحة، لأنها وليدة الواقع البشري وهم لا يعترفون بالواقع.. ويبقى صوت عمنا مدويا:أغاية الدين ان تحفوا شواربكم                                              يا أمة ضحكت من جهلها الامم.