حراك حفتر ومستقبل بناء الدولة
كنت في حديث مع أحد الأصدقاء، ونحن نشاهد الوضع المتأزم في ليبيا، على أثر العملية العسكرية التي قادها اللواء ركن متقاعد خليفة حفتر القائد الأسبق للقوات البرية الليبية، يوم الجمعة 16 مايو 2014، والتي أطلق عليها عملية (كرامة ليبيا)، أو (معركة الكرامة) بدعوى محاولة تطهير مدينة بنغازي من الجماعات الإرهابية والمتطرفة، هو هل أصبح نار الدكتاتورية والسلطة الفردية والحزب الواحد أقل سوءا من جنة ديمقراطية مكللة بالفوضى والعبث، بل مكللة بالخلل الأمني وعدم الاستقرار؟ فليبيا بعد الثورة، أصبحت مسرحا للصراع الدموي، ومعركة مواقع تجري ضمن الأطر التي لا تؤدي إلى الصلح والانتقال الديمقراطي، ونتيجة لذلك؛ أصبحت فكرة الرجل القوي الذي يعيد لليبيا كرامتها واستقرارها وهيبتها تروج في ليبيا، وحاضرة في كل حديث.ليبيا بعد الثورة، أصبحت مسرحا للصراع الدموي، ومعركة مواقع تجري ضمن الأطر التي لا تؤدي إلى الصلح والانتقال الديمقراطيفليبيا هذا البلد الغني بثرواته الطبيعية وموقعه المتميز على ضفاف البحر المتوسط وصحاريه الممتدة نحو الجنوب، أصبح مرتعا للكتائب والحركات الإرهابية، وأصبح بلدا جاذبا ومغريا للحركات الجهادية المتطرفة التي يعيثون في الأرض فسادا. فبغض النظر عن من اعتبر خروج حفتر انقلابا على الشرعية ومحاولة الرجوع بليبيا الى الدكتاتورية، إلا أن هذا الحراك برأيي، ناتج عن فشل في معالجة الخلل الأمني منذ تأسيس المجلس الانتقالي في 27 فبراير2011 بقيادة مصطفى عبدالجليل ومكتبه التنفيذي بقيادة الدكتور محمود جبريل، مرورا بالحكومتين الانتقالية (حكومة عبدالرحيم الكيب)، والمؤقتة (حكومة علي زيدان)، خاصة فيما يتعلق ببناء الشرطة والجيش. وقد ناقشت في مقال سابق "ليبيا.. من شرعية السلاح إلى الشرعية الديموقراطية"، القضية الأمنية، وقلت إنه خلال أربعة عقود من الحكم الديكتاتوري استطاع معمر القذافي أن يزعزع المنظومة الأمنية، من خلال حل الجيش وحل الشرطه. "فمنذ سنة 1975 وبعد محاولة انقلاب عمر المحيشي قام القذافي بحل الجيش واستبداله بمبدأ الشعب المسلح، وهو أحد المبادئ الرئيسية في السلطة الشعبية وفق الكتاب الأخضر، وهي أن جميع فئات الشعب تتدرب على السلاح، وبالتالي تم حل الجيش وتعويضه بالكتائب المسلحة التي يقودها أبناؤه. ثم بعد ذلك، تم حل الشرطة، واستبدلها بالأمن الشعبي". وبالتالي بعد تحرير طرابلس في 26 أغسطس وفي ظل هذا الفراغ الأمني الموجود وفي ظل دولة مشبعة بالسلاح، بدأ كثير من المليشيات التي تربطها علاقات مع تنظيم القاعدة وجماعة الاخوان، تتشكّل واغتصبوا مهام الأمن وشلوا أي دور لمؤسسات الجيش ورجال الشرطة، بما فيهم شرطة المرور. حاولت الحكومة الليبية المؤقتة، برئاسة عبدالرحيم الكيب دعم المكونات العسكرية على الارض ولعب دور حيوي في فرض الأمن ونزع السلاح، إلا أنه في ظل غياب مؤسسة الجيش والشرطة فشلت. وقد عبر عن ذلك الدكتور محمد المقريف، رئيس المؤتمر الوطني العام، في أول لقاء متلفز بعد انتخابه قائلا: "إن ملفات الوضع الأمني وبناء الجيش وإعادة هيكلة النظام القضائي، كلها قد أهملت من قبل المجلس الانتقالي والتنفيذي والحكومة المؤقتة، وإنهم لم يقوموا بعملهم بشفافية ونزاهة. جاءت حكومة زيدان ورغم تأكيدها على أهمية الملف الأمني، إلا أنها فشلت في السيطرة على الجماعات المسلحة، والتي باتت تشكل دويلات داخل الدولة، فحكومة زيدان فشلت في وضع خطة متكاملة وحاسمة، وبخطوات جريئة لتنظيم قطاع الأمن وتنظيم حمل السلاح وتنظيم العلاقة ما بين الثوار الذين أطاحوا بالنظام السابق، وما بين أجهزة الدولة الجديدة؛ مما أدى إلى تأزم الوضع الداخلي، وتعكير مناخ الاستقرار والهدوء وفقدان السيطرة على البلاد. تقول صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية: إن حكومة علي زيدان فقدت تقريبا السيطرة على معظم أنحاء البلاد، ولا سيما شرق ليبيا، المنطقة القريبة من ثاني أكبر مدينة بنغازي. فوفقا لتقارير كثيرة تشير إلى أنه في ظل حكومة زيدان زادت نسبة التفجيرات والاغتيالات وجرائم الخطف ومعدل الفساد والجريمة ارتفع، وكذلك الهجرة غير الشرعية زادت. ليس هذا فحسب، بل إن هذه المليشيات المسلحة أصبحت تزداد سيطرة على المجال العام للحياة السياسية والاقتصادية، وتزداد تشابك مع القبائل. ومن هنا، يمكن القول إن حراك حفتر ناتج عن ضعف سلطة الدولة، وغياب الأمن في السيطرة على المليشيات المتشددة المسؤولة عن عمليات الاغتيال والتنكيل، وانعدام القانون في البلاد.