من عقيد إلى راعي بقر !!
أثار مقطع الفيديو لراعي البقر - الذي كان قائدا عسكريا في أحد القطاعات العسكرية برتبة عقيد في سابق عهده - أثار موجة من الجدل والدهش بين الناس، بعض الآراء علقت بإعجاب شديد على شخصية ذلك الرجل، كونه سائرا في درب الزهد الذي قل سالكوه! وكان مثار الجدل العام والاستهجان له من قبل فريق آخر، كونه متخصصا في الفيزياء النووية (أي متعلما) لكنه كان يتحدث بطريقة توحي بأنه لم يكن ينتمي لخلفية علمية عالية من قبل، حتى أن البعض اعتقد أنه كان أقرب إلى المرض النفسي من كونه شخصا يميل إلى الزهد، فثيابه التي بدا بها كانت تظهره بالمنتمي إلى الطبقة الدنيا من الفقر، إلا أنه وكما ذكرت بعض الصحف كان رجلا ميسورا صاحب أعمال خيرية.. تأملت آراء المعجبين به وتلك المستهجنة له، فلم أرها تتعدى ثيابه وماله ومنصبه السابق لكن بطرق مختلفة.. هناك من يرى أن هذا الرجل وجد ضالته وربما سلك درب النجاة والسلامة الأخروية.. فلماذا ظن البعض ذلك؟ وهل كانت الظنون السابقة ستسقط على أي شخص آخر كان يتحدث بنفس طريقته لكن بدون أن يكون صاحب مال ومنصب سابق؟ لا أعرف إجابة السؤال الأول على وجه التحديد، أما الآخر فأعتقد ان الإجابة هي (لا) لأن المال والسلطة لا تصنع الزاهدين من وجهة نظرهم، لذلك رأت في تلك الشخصية قفزا على العادة.هناك من يرى أن هذا الرجل وجد ضالته وربما سلك درب النجاة والسلامة الأخروية ربما لو شاهد الناس المقطع بطريقة مجردة من كل المعلومات الواردة فيه، لتصور أنه مقطع يظهر شخصا يعاني مشاكل نفسية. ما يمكن استخلاصه أن متغيرات مثل، المال والسلطة أو المنصب أو العلم تظل حاضرة دائما في تقييم الآخرين، كما أن هيبة هذه المتغيرات لا تفقد بريقها كثيرا حتى بعد أن يتحول صاحبها إلى زاهد، أو مريض نفسي، أو حتى مجرم، ففي بعض الدول يعامل كبار المجرمين أصحاب الأموال الكبيرة بطريقة أكثر احتراما من صغار المجرمين. وعودة على نقطة الزهد فهي خصلة قد يكون لها مكانتها الدينية والأخلاقية التي لا يختلف عليها كثيرون، لكن ما أجمل أن تستثمر العقول والأموال بعد الزهد بطريقة فعالة فهي لا تصبح بذلك نموذجا قيما ومثاليا فيه، بل تتعدى ذلك إلى المنفعة العامة.. نضرب مثالا هنا بقيام الرأسمالية التي تغلغلت في كل أرجاء المعمورة، وأصبحت كيانا ضخما سيطر على كل العالم، وفرض هيمنته الاقتصادية مترافقة مع السياسية والثقافية.. هذا الكيان قام وبدأ على ركيزتين اثنتين، الأولى، هي العلم الذي أنتج وساهم في التقدم التقني، والثاني، هو الزهد. كيف حدث هذا؟ إن أوائل التجار الرأسماليين أصحاب رؤوس الأموال، كانوا يجمعون المال ويعيشون حياة شديدة التقشف وذلك ليس بخلا إنما مذهبهم الديني الذي كانوا يعتنقونه يحثهم على جمع الأموال (واستثمارها) وذلك للخلاص الآخروي بمعنى العتق من الذنوب والظفر بالنعيم في الآخرة.. هذا المذهب ولد رؤوس الأموال واستثمرها ودعم كل الوسائل التقنية والعلمية التي تساهم في تنمية الاستثمار. وكل ذلك أشار له العالم ماكس فيبر في حديثه عن الأخلاق البروتستنتانية وروح الرأسمالية. إذا لم يكن الزهد عندهم نفض العلم من الرؤوس والذهاب للبراري وترديد كلام في مذهبهم يعرفه صغيرهم وكبيرهم!! ولن يلاقى بالإعجاب رجل منهم يفعل ذلك.. فمحبة الدين أو الأبناء أو الوطن أو الأمة تترجم في صور أفكار وأفعال عملية.