د. سعود بن عبدالله العماري

مكافحة الفساد- 2

استكمالاً لحديثنا عن دور المملكة في مكافحة الفساد في المقال السابق نتحدث اليوم عن التجارب الدولية في هذا المجال، إذ أن بعض النظم في الدول المقارنة قد انتهجت مبدأ تطبيق الصلاحية العينية من حيث سريان أحكام تلك القوانين، ويقضي هذا المبدأ بمعاقبة كل شخص أو شركة ارتكبت أيا من الجرائم في أي مكان في العالم تعد في نظر تلك الدولة جرائم خطيرة أو مسيئة لسمعتها، فسريان هذه القوانين خارج إقليم تلك البلاد يعني عدم الاقتصار على إقليمية النص الجنائي، ومن جهة أخرى فإن الدول ترى أن من مصلحتها وحفاظاً على سمعتها أن لا يرتكب أفرادها أو شركاتها جرائم تعتبرها خطيرة أو مسيئة لسمعتها في الخارج، لذلك فقد اتخذت مبدأ الصلاحية الشخصية لسريان أحكام القانون على رعاياها، فهي تختص بشخصية الجاني أي أنها لا تشمل أي شخص ارتكب جريمة رشوة خارج تلك الدولة وإنما يقتصر تطبيق النص الجنائي على الأفراد والشركات المنتمين لهذه الدولة.نأمل أن يستفيد المنظم السعودي من التجارب الدولية المشار إليها بحيث تمتد نصوص التجريم لتطال الموظف العام والعاملين في القطاع الخاصولعله من المناسب هنا أن نذكر القانون الأمريكي للممارسات الأجنبية الفاسدة (FCPA) لمكافحة جريمة الرشوة، وقانون مكافحة الفساد الكندي (CFPOA)، وقانون مكافحة الرشوة البريطاني. فسريان هذه القوانين يمكن أن يطال الأفراد والشركات التي تمارس أعمالها في دول مجلس التعاون الخليجي ممن يعتبرون أنفسهم خارج نطاق الخضوع والتبعية لهذه القوانين. فقانون الممارسات الفاسدة الأجنبية الأمريكي هو قانون جنائي يهدف إلى تجريم تقديم رشاوى لأي مسئول حكومي أجنبي بدولة أجنبية، حيث يمنع هذا القانون عرض أو دفع أو الوعد بدفع أو التصريح بدفع رشوة أياً كانت قيمتها لمسئول أجنبي، ولا تطبق أحكام هذا القانون على الرشاوى التي تدفع محلياً إلى المسئولين الأمريكيين داخل الولايات المتحدة؛ نظراً لخضوع هذه الأفعال لقانون داخلي آخر تطبق أحكامه على جرائم الرشوة الداخلية، أما التجارب الأخرى ومثله في ذلك القانون البريطاني وكذلك الكندي حيث تسري أحكام كل منهما على الأفعال والممارسات الفاسدة سواء كانت داخل أو خارج البلاد.ونحن في المملكة لدينا نظام مكافحة الرشوة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/36) في 29/12/1412هـ الذي تكفل بتجريم بعض الأفعال المكونة لجريمة الرشوة، ومن تلك الأفعال طلب العطية أو الهدية لنفسه أو لغيره لأداء عمل أو الامتناع عن عمل أو للإخلال بواجبات وظيفته أو استعمال نفوذ حقيقي أو مزعوم للحصول على قرار أو ترخيص أو وظيفة أو غيره، وقد وسع نظام الرشوة من مفهوم الوعد أو العطية، حيث اعتبر أن كل فائدة أو ميزة يمكن أن يحصل عليها المرتشي أياً كان نوعها أو اسمها وبصرف النظر سواء كانت فائدة مادية أو غير مادية تأخذ حكم الوعد أو العطية.وإذا ما قارنا بالنصوص النظامية في المملكة نلاحظ أن نظام مكافحة الرشوة يؤدي دوراً بارزاً في مكافحة الفساد من خلال محاربة كافة الجرائم الماسة بالنزاهة من أجل تعزيز مبدأ الشفافية ومكافحة الفساد المالي والإداري بكافة صوره ومظاهره وأساليبه. إلا أننا نأمل أن يستفيد المنظم السعودي من التجارب الدولية المشار إليها بحيث تمتد نصوص التجريم لتطال الموظف العام والعاملين في القطاع الخاص، وذلك حرصاً على سمعة المملكة وعلاقاتها الاقتصادية بالدول الأخرى ونرى ضرورة إدراج نص نظامي لكي تسري أحكام تلك النصوص على الشركات السعودية خارج حدود المملكة.