د، محمد حامد الغامدي

نقوش في ذاكرة بلاد العرب أوطاني

 بلاد العرب أوطاني، مطلع لقصيدة، كنّا أطفالا نغرد بها صباحا ومساء، قصيدة كانت موجودة في كتاب المطالعة، ما زالت بلاد العرب أوطاني، في أحاسيسنا وعواطفنا، في ثقافة علّمتنا قيمة الوطن ومجده، قصيدة كانت أساس الأحلام، وظفها البعض هدفا لدمج الأوطان، هل كانت مدخل وباء على الإنسان العربي؟! كان وما زال البعض يدغدغ أحلام الشعوب العربية، بوصلة غنائية عن أحلام وتمنيات، منها موضوع القصيدة. واقع عربي لم يتم التعامل معه بحكمة، تناثرت الجهود، تناحرت العقول والأفكار، خلقت جيلا يستند إلى الأحلام والآمال، استنزفت إمكانياته المحدودة، شكلت الكثير من المعضلات، كان العبث بمشاعر الناس عنوانها، تحولت إلى معول تفتيت لقيم الأمّة ومصالحها.لأننا جزء من هذا العالم، فمصيرنا مرتبط به، دورنا سيكون فيما نقدمه لهذا العالم، لدينا جذور حضارة يمكن أن تساهم وترتقي بحياتنا وحياة الآخرين في هذا العالم الواسع بدلا من توحيد الجهود، بدلا من توظيف الأوضاع وترميمها، كان هناك من وسّع دائرة التنافر والمعاناة والإحباط والانكسار، حالة فرضت نفسها كتاريخ بمساوئ جديدة، ظلت شعارات (وحدة ما يغلبها غلاب) مرفوعة رغم المعاناة، كانت الثورات التي نعتوها بقولهم (مجيدة)، ثم كانت الثورات التصحيحية، اعتمدت على ميكرفون الإذاعة، وصحافة التمجيد، حقبة التغيير المنتظر، مهدت لاحتلال العراق في زمن الجفاف الذي أفرزته تلك الثورات، وجاء بعدها همّ الربيع العربي، ربيع ضاعف أوجاع الجوع والخوف، خاصة في ربوع سوريا. هل ما زال موضوع الوحدة العربية يدغدغ آمال الشعوب العربية؟! الظروف تعمل لغير صالح هذا التطلع، الأجدر رفع شعارات واقعية تقود إلى طريق توظيف المعطيات لصالح العرب، بحدودها وبيارقها الخفاقة الملونة أصبحت حقيقة واقعة، أصبح العرب شعوبا بشعور عربي واحد، حتى الشعور يمكن استثماره لزيادة الفاعلية نحو التضامن، طريق التنافس يبني ويعزز لحياة كريمة للجميع، التكامل بين الدول العربية سيقود إلى تشكيل الجسم الواحد، سيشكل قوى التعاون البنّاء والتنافس الشريف نحو التقدم، قيم يمكن تحقيقها.  الجذر العربي تفرع إلى جذور متعددة، يمكن أن تكون أداة قوة ذات بأس للبناء، السؤال الأهم: هل هذه جذور تشرذم؟! أم أنها جذور داعمة؟! هي كذلك، جذور تشكل نقل مؤونة ودعم للجذر الأصلي؟! الجذر الداعم متصل بالجذع وليس جذرا خبيثا طفيليا، الجذور الداعمة تزيد من قوة الصمود في وجه التحديات أيّا كان نوعها، مع الجذر الداعم تكبر الشجرة، تزداد قوة، تكتنز بالكثير من الاوراق الخضراء والأغصان الطرية اليانعة، تنقل غذاء القمم النامية المتفائلة، لا تؤثر فيها التيارات الهوائية المختلفة، أو درجات الحرارة المتغيرة، الجذور الداعمة تنافسية تنقل المغذيات إلى الشجرة الأم، هكذا يمكن أن تكون الدول العربية، جذورا داعمة قوية في أرضها، في حال متماسك يسود فيه التنافس للبناء، والتعمير، والتنمية، والتكامل، تعزز الاهتمام بالإنسان عقلا، وجوهرا، وعاطفة، وانتماء، كل هذا لصالح الأوطان التي هي أرض العرب، جسم لشجرة كبيرة ممتدة من المحيط إلى الخليج، البكاء على الماضي يعني إفلاس الحاضر، على الشعب العربي أن يتطلع إلى مستقبل أفضل، بخلق المناخ المناسب بدلا من التنافر، في ظل شعارات تقود إلى التخلف والتشرذم. الدول العربية مطالبة بالحفاظ على شعوبها ومصالحه، بتجنب تغذيتها بآمال يصعب تقبلها وتحقيقها، بتجنب شعارات لم تعد تفي باحتياجات تطلعاتها، شعوب كان لها دور تاريخي، التباكي عليه جزء من الهدر والنقص في العقل والمنطق، على الشعب العربي أن يعي أنه أصبح شعوبا، بيارق مختلفة ومصالح مختلفة، عليه أن يقر ويعترف بخصوصية هذه الجذور الجديدة، مسؤولياتها تغذية قيم التعايش في عالم تنافسي، البقاء فيه للأصلح الأصح والقوي الرشيد.  الدول العربية تواجه نفس المصير، بنفس الأمراض، بنفس نوعية الحياة. التسلح بالعلم علاجنا المنشود، العلم يرتقي بالشعوب والدول، يوسع المدارك، يستوعب المتغيرات، يُحكّم المنطق، يوظف العقلانية. العنتريات حالة هستيرية من الجهل البغيض، نتاجه خسائر وهزائم ومصائب، جميع أبواب الخيارات مفتوحة في العالم العربي، لكن يجب أن يسود خيار العقل كقوة وعتاد، من العدل عدم رفع الشعارات التي يستغلها أعداء الأمة، يوظفها البعض لخلق المهاترات ولإضعاف القدرات، لتأسيس تفرقة يصعب تجنبها واجتثاثها مع الأيام. لأننا جزء من هذا العالم، فمصيرنا مرتبط به، دورنا سيكون فيما نقدمه لهذا العالم، لدينا جذور حضارة يمكن أن تساهم وترتقي بحياتنا وحياة الآخرين في هذا العالم الواسع، نحتاج لرؤية يجمع عليها العرب، نحتاج تجنب تناقض الأهداف وتناحر وتضارب المصالح، الشعارات الحالمة لا ترى إلا التاريخ، تتجاهل الحاضر، تتجاهل حقيقة أن بداية التاريخ من حيث انتهى الأمر.  نعود إلى قصيدة بلاد العرب أوطاني، هل كانت معول هدم في جسد الأمة؟! هل تجاوزت فهمها نحو الأسوأ؟! صاغ كلماتها شاعر سوري، كانت من أشهر الأناشيد القومية العربية، ظروف صياغتها توحي وتقول، عندما تتغير الظروف ولا يتغير العقل فهذا يعني وباء قادم، تقول كلماتها: بلادُ العُربِ أوطاني منَ الشّـامِ لبغدانِ  ***   ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ إلى مِصـرَ فتطوانِ فـلا حـدٌّ يباعدُنا ولا ديـنٌ يفـرّقنا        ***   لسان الضَّادِ يجمعُنا بغـسَّانٍ وعـدنانِ لنا مدنيّةُ سَلفَتْ سنُحييها وإنْ دُثرَتْ  ***   ولو في وجهنا وقفتْ دهاةُ الإنسِ والجانِفهبوا يا بني قومي إلى العلياءِ بالعلمِ ***    وغنوا يا بني أمّي بلادُ العُربِ أوطاني  رسم كلماتها العربية الشاعر السوري (محمد فخري البارودي)، ولد عام 1887م، توفي في عام 1966م، شارك في نضال تحرير سوريا من الانتداب الفرنسي، شارك في معارك فلسطين ضد الانجليز، شارك في الثورة العربية الكبرى، مسيرة حياته تمثل مسيرة حياة سوريا، الحمد لله أن الشاعر مات قبل نكسة (67) الشهيرة، حرب تسليم جبال الجولان السورية الاستراتيجية لإسرائيل بقيادة وزير الدفاع (حافظ الأسد)، بدلا من محاكمته على الهزيمة، استولى على سوريا بانقلاب عسكري، وجاء ابنه (بشار) ليكمل مسيرة تمزيق سوريا، ماذا ستقول يا شاعر (بلاد العرب أوطاني) لو خرجت من قبرك؟! هل سُتغيّر النشيد؟!