غسيل الأموال وغسيل التراث
إن كان من مدينة للفنون في الولايات المتحدة، فهي بوسطن؛ فالفنون على تنوعها من مسرح وموسيقى ورسم منتعشة في بوسطن. وما يعزز هذا الكثافة الطلابية، فعدد الطلاب الجامعيين يتجاوز250 ألفاً، لتبدو بوسطن مدينة جامعية هائلة، تقوم على جامعات وكليات وأساتذة وباحثين وطلاب، فهم يتراكضون إليها من كل أنحاء الدنيا، وقد لا أكون مبالغاً إن قلت إنها تحتضن الأفضل من بين هؤلاء؛ إذ يكفيك أن تتأمل المنافسة التي لم تنقطع رغم أنها استهلكت أجيالاً بين جامعتي هارفارد ومعهد ماسيتيوسس للتقنية.هذا نوع من المنافسة لن تجده إلا في بوسطن، فلهاتين الجامعتين من الثراء العلمي والمالي والتأثير السياسي والاجتماعي ما لا يمكن تصوره لغيرهما، فقيمة مجمل أوقافهما تتجاوز 40 مليار دولار.لم أواصل العرض لكن ما خطر ببالي أن «الإسرائيليين» يسطون على التراث الفلسطيني، ويجولون به العالم باعتبار أن حقوق استخدام تراث المنطقة العربية من أقصاها إلى أقصاها هي لهموفي بوسطن العديد من الجامعات الرئيسية والكليات الكبيرة، وما يشغل الناس عنها صخب المنافسة بين الجامعتين العملاقتين. وما يدل على ازدهار هذه الجامعات والكليات حالة التوسع والامتداد الذي تعايشه. لن أسترسل أكثر، بل أعود لموضوع الفنون لأقول إنك عندما تقطع شوارع المدينة ستجد أحدها (شارع هنتنجتون)، أو ما يعرف بشارع الفنون، يعج بالفن بكل أنواعه وألوانه، فلن تخطئ العين المراسيم العديدة والصالات لعرض الأعمال والمسارح للفنون التعبيرية. أما كليات الفنون المتخصصة فستجدها متناثرة على حافتي الشارع! وإن كنت طالباً أو مهتماً بالفنون فلن تحتاج لمغادرته، فكل شيء له صلة بالتخصصات الفنية ستجده، بما في ذلك محلات بيع المستلزمات وإن كانت تفصيلية وتقنية.وقبل أيام كنت على موعد مع صديق للعشاء، لكنه اعتذر في اللحظة الأخيرة! فقررت أن أذهب لأحد العروض. وصلت للمكان المحدد قبل العرض بدقائق، ودخلت وإذا بي أسمع موسيقى مألوفة لأذني لكنها بلكنة غريبة. المسرح كان ممتلئا وعلى خشبته فرقة من العازفين، أحدهم يعزف على عود عنقه أطول من المعتاد، والآخر ينفخ في ناي نحاسي، هذه موسيقا عربية لكنهم ليسوا عرباً. أخذت أسمع، موسيقى مألوفة تماماً بعضها فلكلور مع تعديلات هنا وهناك. لكن ما لبث أن زال كل لبس عندما حيا رئيس الفرقة الجمهور، وقال: هناك نسميها موسيقى «إسرائيل» وهنا نسميها «موسيقى العالم»، وما إن انتهى من عبارته حتى أخذت إحدى المشاركات في الفرقة تغني باللغة العربية بلكنة مغربية، وبالتأكيد فقلة من الحضور أدركت المعاني لكنها فهمت أن هذه الموسيقى «إسرائيلية»!لم أواصل العرض، لكن ما خطر ببالي أن «الإسرائيليين» يسطون على التراث الفلسطيني، ويجولون به العالم باعتبار أن حقوق استخدام تراث المنطقة العربية من أقصاها إلى أقصاها هي لهم. وما وجدته في العرض مشابه لغسيل الأموال؛ فمن يريد غسل الأموال يقيم مشروعاً صورياً يستخدمه واجهة لتنظيف الأموال التي حصل عليها إما بالسطو أو بالمتاجرة بالمخدرات أو الأسلحة مثلاً. وهكذا، السطو على التراث الفلسطيني بأن يروج له من قبل «الإسرائيليين» على أنه «إسرائيلي»! ولا يمكن الركون إلى أن ابتلاع التراث العربي الفلسطيني أمراً هامشياً، فالفنون بأنواعها هي من سمات التحضر، فعندما تنتقل أهزوجة عبر الأجيال لترددها، تصبح جزءاً من سحنتهم ووجدانهم، أما لسواهم فهي مجرد كلمات تردد ليس بها أية حياة. وليس محل جدل أن الحفاظ على التراث هو مهمة الأمة المالكة له، وإلا ستصدق مقولة «المال السايب يعلم السرقة».ولعل ما أريد أن أقوله هنا لا صلة له بما شاهدته وسمعته في العرض آنف الذكر، بل له كل الصلة بأن ننطلق للعالم بما نعتبر أنه تراثنا الحضاري، ولا سيما أنه تراث ضارب الجذور ومتعدد المدارس، وقد استحوذ على اهتمام العالم لقرون. ولا بأس من تأسيس معاهد أو كليات أو حتى برامج في كليات قائمة في العالم المتقدم؛ لتدريس الفنون العربية واستقطاب الباحثين للتأصيل والتوثيق بل ولتعريف المجتمعات الحية بما لدى العرب. وعلينا إدراك أن العروض هي وسيلة فيها امتاع واستقطاب، وخصوصاً للشباب، حيث يكون البحث عن الذات في أوجه، والعقول في قمة نشاطها والفضول للمعرفة في أعلى مداه. ولعلنا بذلك نوجد عمقاً وبعداً ثالثاً، هو بعد الزمن، عند المتأمل للفنون والتراث الحضاري الذي أنتجته منطقتنا العربية منذ الأزل. ثم أن التعريف بالموسيقى العربية على سبيل المثال، سيستدعي التعرف على الحضارة الحاضنة عن كثب وبصورة أكثر عمقاً. والأمر لا يبدأ بالموسيقى ولا ينتهي بها، رغم أن للعرب اسهامات مهمة فيها، بل ينسحب على معالم فنية لا تحصى من رسم ونحت ونقش وخط وفلكلور، بما يستحق كل اهتمام بحثي؛ لحمايته من الاندثار والسطو، فذلك سيساهم في تجديده ونشره والحفاظ على هويته التي هي هويتنا.