مكافحة الفساد
تعتبر ظاهرة الفساد من الظواهر التي تعاني منها الدول المتقدمة والنامية على حد سواء ولكن بدرجات مختلفة ومتفاوتة؛ نظراً لارتباط ذلك بالأنظمة والقوانين المعمول بها في كل بلد ومدى احترامها من قبل الشعوب وتطبيقها على المخالفين. ومعلوم أن الفساد يؤدي إلى اختفاء مبادئ العدالة والمساواة وانعدام احترام القانون. كما أن الشريعة الإسلامية قد حرمت الفساد بكافة صوره وأشكاله وقد ورد التحريم في كتاب الله، ومن ذلك قوله تعالى: «ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها» وقوله تعالى: «ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين» وقوله تعالى: «وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد»، ومفهوم الفساد عام وشامل تندرج تحته كل أنواع الفساد ومنها الفساد المالي والإداري موضوع مقالنا هذا.ورغم اختلاف تعريف جرائم الفساد بين الدول إلا أن العالم بأسره قد أجمع على أن الفساد آفة وشر على المجتمع ولابد من القضاء عليه بشتى الطرق. لذلك فإن المملكة قد جرمت الفساد واتخذت التدابير اللازمة لمنعه وسنت الأنظمة لمكافحته والقضاء عليه.وقبل الخوض في التدابير التي اتخذتها المملكة لمكافحة الفساد، دعونا نتحدث أولاً عن صور الفساد المنتشرة، فهي كثيرة ومتعددة منها ما يتعلق بالأموال ومنها ما يتعلق بالأشخاص، فهناك الفساد المالي والإداري كالرشوة، والتزييف، واختلاس وتبديد وهدر المال العام، وإساءة استخدام السلطة في الوظيفة العامة، والتزييف والغش التجاري، وهناك الفساد الاجتماعي كسلب حقوق الآخرين، وهناك الفساد الأخلاقي، وهناك أيضا الفساد السياسي المشتمل على الأعمال والجرائم الموجهة ضد السلطة. وهناك العديد من الصور الأخرى التي يصعب حصرها والتي تندرج تحت صور الفساد وأنواعه، وهذا يدل على كثرة وتشعب أنواع الفساد، ما يعني ضرورة إيجاد أنظمة فعالة تطال جميع المخالفين ومرتكبي هذه الجرائم. وترجع أسباب الفساد إلى مجموعة من العوامل منها: ضعف الوازع الديني وانعدام الضمير الأخلاقي، وغياب الوعي، وضعف وتفكك الروابط الأسرية، وانتشار الفقر في المجتمعات، وانخفاض مستويات الدخل التي لا تتناسب مع متطلبات المعيشة، وضعف الأجهزة الرقابية في مراقبة بيئة الفساد، وغياب سياسة الترغيب والترهيب، وضعف العقوبات والجزاءات الرادعة، وانعدام الشفافية والمساءلة. كل هذه العوامل وغيرها تؤدي إلى انتشار جرائم الفساد.وقد أدركت المملكة كغيرها من الدول خطورة الفساد المالي والإداري، فبادرت باتخاذ العديد من الخطوات الايجابية لمحاربته، وأصدرت العديد من الأنظمة لمكافحته كنظام مكافحة الرشوة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/36) وتاريخ 29/12/1412هـ ووقعت على الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد، كاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد عام 2003م، والاتفاقية العربية لمكافحة الفساد عام 2009. كما قامت بتفعيل الوعي من خلال أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وشاركت بفاعلية في العديد من المحافل الدولية التي تدعم مكافحة الفساد. وما يجدر الإشارة إليه هنا هو الدور المهم الذي قامت به هيئة السوق المالية في مجال مكافحة الفساد عن طريق رفع مستويات الشفافية من خلال إتباع إجراءات عدة للوصول إلى الشفافية المطلوبة، ومن ذلك لائحة حوكمة الشركات التي تهدف إلى إلزام الشركات بالإفصاح المستمر، إضافة إلى دعم برامج مراقبة جودة الأداء المهني، إلى جانب حماية المستثمرين في سوق المال؛ منعاً للتلاعب بحقوقهم. كما لا بد من الإشادة بالشركات الوطنية الرائدة مثل أرامكو السعودية التي تعتبر من أوائل الشركات التي وضعت سياسات وتدابير في جميع عقودها ومعاملاتها؛ لمنع تعارض المصالح والفساد، كما أنها لا تتهاون أبدا في مواجهة أي مخالفة مهما كان حجمها وفقاً للأنظمة المتبعة في المملكة. كما أهنئ شركة سابك على حصولها على المركز الحادي عشر عالمياً والأول على مستوى شركات الشرق الأوسط، وكذلك حصولها على المركز الثالث مكرر ضمن فئتي الإبلاغ عن برامج مكافحة الفساد والشفافية التنظيمية، وما يؤكد اهتمام المملكة بهذا الجانب هو توجيه رسالة شكر من لدن خادم الحرمين الشريفين لإدارة شركة سابك على هذا الإنجاز المهم الذي يؤكد على حرص القيادة الرشيدة للالتزام بالشفافية ومكافحة الفساد.وختاماً، فقد توجت المملكة جهودها في محاربة الفساد بصدور قرار مجلس الوزراء رقم (165) وتاريخ 28/5/1432هـ بتنظيم الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، لكي تتعامل مع كافة حالات الفساد المالي والإداري. ونأمل أن تتضافر الجهود بين الجهات المعنية والقطاعات العامة والخاصة وكل مواطن يحرص على صون دينه ووطنه للقضاء على هذه الآفة، والعمل سوياً على تنمية البلاد وترسيخ مفهوم النزاهة بين أبناء الوطن حتى تبقى هذه السمة جزءاً لا يتجزأ من قيمهم يلتزمون بها وتتناقلها الأجيال القادمة إن شاء الله.