«وثيقة الرياض» العودة للثوابت
تذكرت المثل الدارج الذي يقول إن مطر السماء له محب، وكاره، على إثر صدور "وثيقة الرياض" بتاريخ 17 أبريل 2014م بعد الاجتماع الطارئ لوزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليجي العربي، أقول ذلك لان هناك سيلاً من الكتابات الصحفية والتحليلات الفضائية أخذت تضع هذا التطور في العمل الخليجي المشترك في غير مكانه، حتى إن البعض بدأ يتحدث عن رابحين وخاسرين ومهزومين ومنتصرين، وهذا في الحقيقة بعيد عن حقيقة ما حدث، وغاب عن البعض تلمس جوهر الموضوع والنتائج التي تحققت بناء عليه بطريقة فيها شيء من الواقعية التي تأخذ في الاعتبار حقائق التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك الذي هو أحد أركان قيام هذا التجمع العربي الذي صمد على مدى ثلاثة عقود،يفترض أن لا يغيب عن ذهن أي مراقب ملاحظة درجة التعافي التي يتمتع بها أي تجمع سياسي دوليهذا الاجتماع سيسجل على أنه تاريخي؛ لأنه ببساطة جاء بعد آخر اجتماع لوزراء الخارجية في دول المجلس بفارق زمني يقترب من الشهر، وكان كما يعرف الجميع اجتماعا عاصفا فتح كثيراً من التنبؤات على طبيعة عمل ومستقبل مجلس التعاون الخليجي برمته، النقطة التي يجب أن نكثف التفكير حولها أن هذا الاجتماع تحقق بجهود خليجية صرفة، وخرج بهذه الوثيقة التي يميزها أنها جاءت مركزة ومختصرة وفي اسطر محدودة وعبارات واضحة تؤكد أن هناك فهماً واحدا لما كتب واتفق عليه المجتمعون، ظهر خلال هذا الاجتماع ونتائجه قدرة دول المجلس على العمل الجماعي المؤثر برز ذلك من خلال المواقف المتطابقة للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، إضافة إلى ميزة مهمة وجديرة بالملاحظة تتعلق ببنية المجلس والحراك السياسي في أروقته وهي أن الطرف الذي قرب بين وجهات النظر وقلل من مسافات الشقة والخلاف كان من أعضاء المجلس بما يعني بوضوح أن هناك لغة حوار مفهومة ومسموعة بين الأعضاء وأهم من ذلك أنها لغة مؤثرة وتقلل من الاحتقان وتزيل الخلاف، القضايا التي وافق عليها الجانب القطري غير معلنة للجميع ويكفي الإشارة إليها بأنها تقلل من فرص العمل الجماعي وتؤثر على أمن واستقرار الأشقاء لذا كان الرجوع عنها أو التعهد بعدم دعمها هو في الحقيقة رشد ووعي سياسي من القيادة السياسية القطرية التي عادت إلى ثوابت المجلس، حيث إن جوهر هذه المراجعة للموقف الخليجي العام لا يعدو كونه عودة للثوابت التي ترسخ قيم الأمن ومعطيات الاستقرار لدول المجلس مجتمعة وقطر دولة من هذه الدول، لذا لا أرى أن من المنطقي الحديث عن خاسر أو متنازل بل هي فرصة حقيقية للحديث عن انتصار جماعي للمجلس ودوله، هناك من شخص الوضع العام بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال المرحلة السابقة بأنه وضع متأزم تحكمه أزمة متعددة الرؤوس؛ كونها ذات أبعاد داخلية تتعلق بدول المجلس، ولها أبعادها الإقليمية والدولية وترتبط بشكل أو بآخر بتطورات السنوات الماضية في المنطقة العربية وما أفرزته تلك التطورات من أوضاع سياسية واجتماعية وأمنية في عدد من البلدان العربية، الوثيقة المختصرة والمركزة التي صدرت في الرياض والتي أرى أنها واحدة من الانطلاقات التصحيحية لمسيرة العمل الخليجي المشترك اعترفت أن هناك خللاً يعترى الجسم السياسي العام لدول الخليجي العربية، بعبارة أخرى أقرت بشفافية أن هناك أزمة ثقة تم تجازوها ومحاصرتها في وقت قياسي، ومن المؤكد أن المرونة التي أظهرتها دولة قطر مكنت المجلس من تخطي هذا المنزلق، وربما لأنه كان هناك إصرار من باقي أعضاء المجلس على معالجة الموضوع بشفافية غير مسبوقة في العمل العربي المشترك، ويعود الفضل في ذلك كما اعتقد أن هناك مرجعية تحكم التصرف الخليجي العام هي المبادئ الواردة في النظام الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الوثيقة بشكلها الحالي قطعت مرحلتين في تعزيز وتدعيم العمل الخليجي المشترك المرحلة الأولى تشخيص دواعي الخلاف، والمرحلة الثانية الوصول لحل ذلك الخلاف بطريقة شفافة ومؤسساتية، ويعتقد أنه بقي مرحلة مهمة ينتظرها الجميع في دول المجلس وهي تجاوز كل شكوك الماضي والعمل بشكل طبيعي يؤكد الثوابت ويزيل اللبس ويعلي من المصلحة الخليجية المشتركة، هناك أمر يفترض أن لا يغيب عن ذهن أي مراقب هو ملاحظة درجة التعافي التي يتمتع بها أي تجمع سياسي دولي، أي قدرة ذلك التجمع على التقييم والمراجعة والتخطيط للمستقبل.