ثقافة كونية.. أم مظاهر استهلاكية مشتركة؟
قد يتاح لمواطن في قرية آسيوية أو أفريقية ارتداء الجينز، وتناول الوجبات السريعة، واستخدام الأجهزة الذكية، وسماع المغني الفرنسي جوني هاليداي؛ تماما كما يفعل مواطن عاصمة غربية منتجة ومصدرة لهذه المنتجات الاستهلاكية. لكن ذلك لا يصنع تماثلا ثقافيا. وإذا كانت غاية "التماثل" تحقيق الاستقرار في عالم مضطرب يعاني من صراع القيم وصدام الهويات، فإن التشابه الخارجي المتمثل في مظاهر التحديث المرتبطة بالاستهلاك لم تحقق التناغم المنشود، أو تصنع ثقافة مشتركة. ومن المفارقات الغريبة أن بعض التقنيات ووسائل الاتصال الحديثة التي يفترض أن تساهم في التقارب قد استخدمت في صدام الثقافات وصراع الإرادات والقيم.هنالك تناغم بين حداثة المجتمع المنتج وثقافته، وفي المقابل توجد فجوة واسعة بين المظاهر المادية مثل تلك المظاهر الاستهلاكية المشتركة، هي ما يدرجه أوليفيه روا تحت عنوان "معالم ثقافية عائمة" لها علاقة بالمظهر لا بالجوهر. ويبدو الفرق جليا بين ثقافة الابداع وثقافة الاستهلاك العابرة للقارات، وكذلك بين الحداثة المرتبطة بالثقافة التي أنتجتها، والتحديث المرتبط بالمعالم الثقافية العائمة. هنالك تناغم بين حداثة المجتمع المنتج وثقافته، وفي المقابل توجد فجوة واسعة بين المظاهر المادية والبعد الثقافي في المجتمع المستهلك. يمكن لأي فرد أن يجيد تحية الانحناء اليابانية، وأن يتقن مصارعة السومو، ويتذوق السوشي، ويستمتع بسماع الناي الياباني، لكنه لا يصبح يابانيا إذا لم يكن من أبوين يابانيين وولد ونشأ وتربى في اليابان. باختصار فإن تقارب أذواق المستهلكين لا يحقق تقاربا أو انتماء ثقافيا. نعم، تلك معالم ثقافية عائمة، أي طافية على سطح الثقافة. أما البعد الثقافي كما يرى جون توملينسون فهو: "ما يجعل حياة الناس ذات مغزى بشكل منفرد وبصورة جماعية، عن طريق تواصل بعضهم ببعض". ذلك هو "الانتماء الثقافي"، وهو ليس سلعة قابلة للاستيراد. وأي شكل خارج إطار ذلك الانتماء ينطبق عليه قول الشاعر: "الدارُ بالجَنْبِ لكنَّ الهوى جُنُبُ"! فهل يحقق التعليم تماثلا ثقافيا؟ ليس بالضرورة. ذلك أن حصول (س) من الناس على شهادة عليا من السوربون مثلا، لا يجعل منه فرنسيا. وقد يعود حاملا شهادة علمية في يده، وفي رأسه رواسب قريته الآسيوية. في المقابل، لا يمكن تحقيق تماثل ثقافي بالإكراه. ولا بد من الإقرار بالتنوع والاختلاف حتى ضمن الحيز الجغرافي الواحد. إن الامتثال أو الإذعان لا يعني تماثلا ثقافيا. وحين تكون في روما وتتبع الاقتراح القائل: "إذا كنت في روما فافعل مثلما يفعل الرومان" فإن ذلك لا يجعل منك إيطاليا، بل هو شكل من أشكال المجاراة؛ خشية الانتقاد أو العقاب. أما "المضمر" فشيء آخر. استخدم روما هنا استخداما مجازيا، فقد تكون روما أي مكان في العالم. مع ذلك، هنالك من يحلم بثقافة "كونية" متجانسة. والفكرة، وإن بدت سهلة التحقق على المستوى الاستهلاكي، أي على مستوى المعالم الثقافية العائمة، إلا أنها تبدو تطلُّعاً طوباويا على المستوى الثقافي والإبداعي. لكن ما هدف التطلع إلى ثقافة كونية متجانسة؟ هل المقصود من ذلك تكريس مفهوم الثقافة المهيمنة، وتحقيق طموحات الشركات العابرة للقارات؟ أم التقارب والانفتاح، وتدشين مشروع تنموي عالمي مشترك؟ هل هي دعوة لعولمة الأنظمة السياسية والإدارية والقانونية والتربوية، التي تساهم في تكريس القيم الإنسانية الثابتة؟ إذا كان الأمر كذلك، فهو حلم مشروع. والأحلام لا تعارض وإن بدت مثالية.