محمد الصويغ

غايتنا سلامتك ودورة جديدة

اعتادت دول مجلس التعاون الخليجي أن تحتفل كل عام بأسبوع أطلقت عليه «أسبوع المرور الخليجي»،  وقد دخل هذا الأسبوع في دورته الثلاثين تحت شعار جميل سمي في هذه الدورة «غايتنا سلامتك»، ولا ينكر أي مواطن خليجي في الدول الست أن غاية رجالات المرور بالفعل هي سلامة المواطنين والمقيمين على أرض مجلس التعاون، ورغم أن هذه الغاية نبيلة الا أن من الملاحظ تصاعد حوادث المرور القاتلة في الدول الخليجية عاما بعد عام، فقد تحولت المركبات للأسف الشديد من غرضها الحيوي لتقصير المسافات والانتقال من بلد الى آخر الى أسلحة فتاكة لا تقل خطرا عن الأسلحة التقليدية المعروفة والمتعارف عليها، وأضحى الناس يفتكون ببعضهم عن طريق تلك المركبات، فتبدل غرضها الأساسي للأسف الشديد وأضحت بالفعل سلاحا يتقاتل الناس بواسطته، وليس أدل على ذلك من وقوع مئات الحوادث يوميا في منطقتنا الخليجية تزهق عبرها أرواح الأبرياء من شبابنا الصاعد والواعد، وجلهم في عمر الزهور.السلامة غاية منشودة ليس من قبل رجالات المرور في دولنا الخليجية فحسب وأكاد أميل كل الميل إلى تصديق المقولة الصائبة بأن من يدهسون تحت عجلات المركبات على كرتنا الأرضية «الجميلة» يفوق تعدادهم في كل عام تعداد القتلى في الحربين الكونيتين الأولى والثانية، فنحن أمام مشكلة لا يستهان بها ولا بد من حلول قاطعة وجذرية إن لم نتمكن معها من وقف هذه «المذابح»  الفظيعة ان جاز تشبيه الحوادث المرورية القاتلة بالمذابح فلتكن تلك الحلول كفيلة بالتقليل منها على الأقل، وأظن من وجهة نظري الخاصة أن الأسبوع السنوي الخليجي لطرح فعاليات السلامة المرورية غير كافٍ على الاطلاق، ولا بد من تحويل تلك الفعاليات الى مشهد يومي طوال السنة، ويمكن تقليل الطرح تدريجيا اذا تقلصت الحوادث المرورية القاتلة سنويا وفقا لاحصاءات رسمية دقيقة تصدرها الجهات والأجهزة المسؤولة عن المرور في دول مجلس التعاون، فالأخطار المحدقة بشبابنا من جراء تلك الحوادث مؤسفة للغاية وتصاعدها مخيف ومروع ويضع سحابات كثيفة من التشاؤم حول صناعة مستقبل أفضل في دول المنطقة.ولا بد من تعميم الاجراءات الاحترازية بدول المنطقة كلها دون استثناء، ومن تلك الاجراءات على سبيل المثال لا الحصر ما حدث في بلادنا من انشاء أنظمة «ساهر» لملاحقة المخالفين لقوانين المرور، ولا شك أن هذه الأنظمة مفيدة للغاية ولكنها غير متواجدة بشكل كاف في دول المنطقة، بل ان تواجدها في بلادنا محصور في المناطق الرئيسية فحسب وفي بعض المدن الكبرى، وأضرب مثالا بالمنطقة الشرقية، فتلك الأنظمة متوافرة في مدن الدمام والخبر والقطيف، ومعظم المحافظات والمدن الأخرى بالمنطقة خالية منها كمحافظة الأحساء والخفجي والجبيل وغيرها من المدن.وثمة ملاحظات لابد من طرحها في هذه العجالة بمناسبة مرور الأسبوع الخليجي في دورته الثلاثين من بينها عدم منح رخص القيادة لمن هم دون العشربن من العمر، فمن الملاحظ أن الحوادث المرورية القاتلة يذهب ضحيتها شباب أعمارهم دون تلك السن، وهم يمرون في هذه الحالة بمرحلة المراهقة ومن سماتها في معظم الحالات ظهور علامات الطيش والتسرع واللامبالاة بين صفوف تلك الشريحة من البشر، والملاحظة الأخرى أن معظم المخالفين المرتكبين لأخطاء مرورية كقطع الاشارات والسرعة الفائقة والوقوف في أماكن ممنوعة وغيرها من الأخطاء تتكرر منهم تلك المخالفات دون عقوبات رادعة وصارمة ما عدا توقيع الغرامات المالية عليهم، وبعضهم مقتدرون لا يبالون بدفع تلك الغرامات مهما ارتفعت أقيامها، وأظن أن العقاب الرادع يجب أن يخرج عن تلك الدائرة الضيقة فيصار الى سحب الرخص من أولئك الذين تتكرر مخالفاتهم المرورية ومنعهم من قيادة مركباتهم لمدد غير قصيرة، وتوقيع عقوبة السجن عليهم لمدد غير قصيرة ايضا، ولا ضير من تطبيق العقوبتين معا في وقت واحد للحد من مخالفاتهم المتكررة واستهانتهم بالأنظمة المرورية المرعية.ومن الملاحظات أن لا تمنح رخص القيادة لأي سائق الا بعد تخرجه من مدرسة معتمدة لتعليم القيادة، ومن الغريب أن لا يفقه معظم السائقين شيئا عن ماهية اللوحات المرورية الارشادية المنتشرة في الشوارع، ولا يجيدون ايقاف مركباتهم بطريقة صحيحة، ويجهلون أو يتجاهلون استخدام أحزمة الأمان المتوافرة في مركباتهم.وأختم بالقول، إن السلامة غاية منشودة ليس من قبل رجالات المرور في دولنا الخليجية فحسب، ولكنها غاية يتمنى أولياء الأمور ورجالات التربية والتعليم والاعلاميون تحقيق مبادئها على أرض الواقع حقنا لدماء شبابنا الذين يمثلون أمل الأمم في صناعة مستقبلها الأفضل، وهي غاية نبيلة لن تتحقق الا بتكثيف الجهود وتضافرها بين دول المنطقة بشكل يومي من خلال وسائل التوعية ومن خلال تطبيق الأنظمة المرورية بحزم وعزم حفاظا على أرواح شبابنا وهم يمثلون الثروة الحقيقية التي تقوم على سواعدهم تنمية الأوطان ورقيها ونهضتها.