د، محمد حامد الغامدي

حيّاكم الله،، هذه فجوة السمن والعسل

 أهالي بلاد غامد وزهران، بمنطقة الباحة، يعرفون معنى كلمة "فجوة"، هي من تراثهم الاجتماعي، تراث تآكل بفعل مد البيتزا والمكرونة. "الفجوة" لمن لا يعرفها، مرتبطة بأكلات شعبية، سادت في بلاد الحنطة والعسل والحليب، بلاد رجولة ومرجلة، شيدت الحدائق المعلقة، جعلت سفوح الجبال مروجا زراعية خضراء، نحتت سفوح الجبال لصيد ماء المطر النادر والثمين، بنت المدرجات الزراعية حجرا فوق حجر، تحكي قصة قوة سواعد فاعلة، أسست علم إدارة ماء المطر، حولته إلى مخزون استراتيجي في باطن الأرض، جعلت المدرجات وعاء طبيعيا لإنبات جميع أنواع الحبوب، منها: الحنطة المحلية، حبوب تأخذ من بشرتهم لونها، تأخذ من سواعدهم صلابتها، وتأخذ من عقولهم وفكرهم مدادها الناجح والناضج في التعايش مع البيئة.لا يمكن ردم كل فجوة، لكن يمكن تبصير النّاس بخطورة الوقوع فيها، أو عدم تذوق ما فيها كل المكونات البيئية في حياتهم ذات وظيفة وشأن، بأدوات محلية الصنع، جعلوا من جذوع الأشجار صحاف (عيش)، (صحون خشبية)، (العيش) هذا مزيج من طحين الذرة البيضاء والماء ولبن البقر الحامض، يمكن أن يكون من الحنطة النقيّة، على النّار، يتم خلط المكونات بأداة تسمى (المسوط)، (أداة خشبية بنهاية تأخذ شكل سبعة)، الرقم الذي يكرهون، وظيفة (المسوط) تحريك تلك المكونات، تنتهي العملية بأكلة تسمى (عيش)، يشبه في قوامه المهلبية المستوردة، ممكن أن يكون رخوا أو شديد التماسك، حسب عدد العائلة، وحجم ونوع المناسبة الاجتماعية، في خطوة أخرى، لا تخلو من الثبات والحرص، تحمل اليدان المباركة (التّورة)، الوعاء المصنوع من الطين المحلي، بسم الله يتم دلق المكونات مباشرة من فوق النار إلى (الصحفة)، بعد أن تقل سخونة (العيش) يتم عمل فجوة وسط سطح هذه النّعمة، عن طريق نزع جزء من مادته، ثم يصب العسل والسمن في جوف هذه الفجوة، باسم الله يبدأ الأكل، تزيد اللذة بنزف السمن والعسل من الفجوة بـواسطة (لُقم) (العيش)، طبعا كل ذلك بدون ملاعق، لكن باليد النظيفة التي تتعفر بالسمن، ثم يتم مسح النعمة على شعر الشوارب واللحى، يقول المثل (شرف غامد لحاها)، النعمة لا تُغسل، ولكن توظف لترطيب البشرة، وترويض الشعر العربي النّافر. هذه فجوة السمن والعسل، غابت مع تغير العادات والتقاليد، بفعل التغيرات الحضارية التي عاشتها بلاد غامد وزهران في هذا العهد السعودي الميمون، انحسر بريقها مع تعليمات الأطباء بعدم تناول السمن والعسل، بسبب أمراض النّعم، بقيت هذه الفجوة الشهيرة، تحرك مشاعر من عاشها، عاصرها كاتبكم بكامل قصتها وهيبتها، وبراءتها ونبلها الاجتماعي، البعض حافظ على بقائها، أعادوا لها هيبتها ومجدها كجزء من رموز الكرم وحسن الضيافة.  الفجوة اليوم، كلمة يتم تناولها بشكل واسع، وفي جميع الظروف، أصبحت إحدى مسببات المشاكل والإحباطات، والفتن والأذية، مع أن الفجوة في أصلها مكون فراغي يمكن ملؤه بما تريد، هناك فجوات علمية، فجوات اقتصادية، فجوات اجتماعية، فجوات حضارية وإنسانية، وهناك فجوة عقلية عند البعض، هناك أيضا فجوة ثقافية، وفجوة عاطفية، وفجوة حتى في الاتجاهات.  مع تعدد الفجوات تنشأ فراغات متعددة، متعلقة بالبشر، كنتيجة تصبح مطبّات في حياتهم مثلها مثل مطبّات الشوارع، التي تكسر الظهر، وتستنزف الجيب، وتخرب السيارات، وتضيع الوقت، أحيانا تزيد من دخل المستشفيات، ودخل الصيدليات، قد تجبر البعض على رفع شعار "خليك بالبيت"، يعني بالعربي الفصيح هناك ضحايا لكل فجوة. الفجوة في (عيش) غامد وزهران ليس لها ضحايا، يتم ملؤها بالسمن والعسل، يا طيب هذه المواد، لكن الفجوات الأخرى يمكن ملؤها بالكثير من الفتن والسموم، والكثير من المشاكل، ومن عناصر الخداع والهدم، والرذيلة والتشويه والتنكر، البعض (يعبّي) هذه الفجوات بكل أمراض الدنيا، ثم يقول لمن حوله: حياكم الله، تفضلوا، ماذا يمكن أن يأكل الإنسان ويغذي فكره ونفسه من مثل هذه الفجوات العفنة؟! مثل هذه الفجوات يصبح وجودها، وفي أي مجال، كارثة، يجب ردمها والتخلص منها، ومحاربة الأيادي التي تخلق هذه الفجوات، حتى لا يتم استغلالها بطريقة مهلكة. المطبلون والساعون لزيادة مساحة الفجوات بين النّاس، إنما يسعون لزيادة مساحة الفتنة والبغضاء، يشيّدون حواجز من مادة هذه الفجوات بين النّاس، من الريبة والشك والبغضاء، والكراهية، والتشكيك، والإرهاب، البعض يستغل الفجوات كفتنة يقنع بها الآخرون، الذين لا يرون إلا بعين واحدة، لا يرون إلا الفجوة المليئة بكل أنواع الشر، ليقول لهم: قارنوا واستنتجوا، ثم يكون الإرهاب أيّا كان نوعه، مع كل فجوة مسمومة هناك إرهاب معلن ومخف. في النّهاية، يتساقط البعض في الفجوة، ليصبحوا مادة وأداه لغيرهم، أو يتم ردمهم فيها بدون أسف، هنا تكون الخسائر للوطن، وللإنسان، وللمنجزات، وللأجيال، هذه هي الفجوة المخلّة، أما الفجوة المليئة بالسمن والعسل فهي أمر مطلوب، مفيدة ومظهر من مظاهر العطاء، لكن الفجوة المليئة بالسم تعتبر نقمة، هي أمر بغيض، هي مظهر من مظاهر وجود خلل، يجب العمل على علاجه ورتقه قبل أن تتحول إلى وباء يصعب علاجه. هناك الفجوة الحضارية بين الشعوب، البعض (يعبّيها) بكل الأفكار السوداء، ثم يدعو النّاس إلى التزود منها، هكذا تكون حروب الحضارات، وحروب الشعوب، وحروب الثقافات، حتى حروب القنوات التلفزيونية، سببها الفجوة، فهناك قنوات فقيرة، وهناك قنوات متخمة بالنعمة، نعمة الإمكانيات المادية والتقنية، ونعمة (الصبايا الحلوين المهضومين)، في برامج الفجوات التي تغذي عقول الشباب للمزيد من الفجوات، حتى في لون البشرة وستر العورة. لا يمكن ردم كل فجوة، لكن يمكن تبصير النّاس بخطورة الوقوع فيها، أو عدم تذوق ما فيها، أو تحريم السباحة فيها، الفجوة قد تصبح صراعا بين الحق والباطل، الفجوة الحقيقية المريضة هي أن تكون أنت الفجوة البغيضة، وقبل أن تكون، تذكر فجوة السمن والعسل، عليك يتوقف الاختيار، الرؤية الصحيحة للأشياء تخلق طريق السلامة، طريق يتم بها تجاوز المحظور من الفجوات المقيتة.