حسن السبع

في «ما لا يختلف عليه اثنان» 2/2

هذه إضافة إلى مقال سابق أشرتُ فيه إلى علوِّ الأصوات الواثقة من كل شيء، وهي أصوات تملأ حياتنا لغطا يرتدي جلباب المعرفة. وفي عالم صاخب بالاختلافات والتناقضات وتباين الآراء، يبدو مضحكا أن تجد -أينما ولَّيتَ وجهك- عبارةً أعظم صلابةً من الفولاذ تقول: "لا يختلف اثنان". عبارة تُستهلك يوميا وبشكل آلي. ويدفعك الفضول إلى مواصلة القراءة لعلك تعثر بين السطور على ذلك الذي لا يختلف عليه اثنان، فإذا بك أمام وجهة نظر قد "لا يتفق على صحتها اثنان". وإذا ما أردتَ التلاعب باللفظ أمكن القول: نعم إن وجهة النظر تلك "لا يختلف عليها اثنان" فقط، بل هي محور اختلاف كثير من الناس. وراء ذلك التناقض الصارخ ما وراءه. فإذا اطلعت على وجهة نظر تناقض الواقع أو تسعى إلى تحريفه ليتفق مع ما تريد تسريبه، فأنت أمام ثلاثة احتمالات أو أكثر. الاحتمال الأول: أنك تقرأ وجهةَ نظرٍ يتشبث صاحبها بامتيازاته الخاصة، ويلتزم بمكاسبه الآنية أكثر من التزامه بالبحث عن الحقيقة. وليس بمقدورك، والحال هذه، إلا أن تردد مع الشاعر قوله: "لي حيلةٌ فيمن ينُمُّ/ وليس في الكذَّابِ حيلةْ/ من كانَ يخلقُ ما يقولُ/ فحيلتي فيه قليلةْ".صاحب الرأي أسير أيديولوجيا صارمة مدججة بإجابات جاهزة عن كل الأسئلةالاحتمال الثاني: لكتابة رأي "لا يختلف اثنان" على تهافته، هو أن صاحب الرأي يردد ما يقرأ وما يسمع، ويتبنى، بحسن نية، آراء لا ينبغي الاقتراب منها دون استخدام قفاز. ومن الصعب على من لا يمتلك حسا نقديا قادرا على التمييز الوصول إلى رؤية صائبة. لذلك يأتي صوته صدى لأصوات أخرى. ولا علاج لهذه الحال من الاستلاب أو الغيبوبة إلا بعودة الوعي. لكن ليل الانتظار قد يطول.  الاحتمال الثالث: أن صاحب الرأي أسير أيديولوجيا صارمة مدججة بإجابات جاهزة عن كل الأسئلة؛ إجابات تبدأ وتنتهي أيضا بعبارة "لا يختلف اثنان"، وبقية الألفاظ الدالة على التوكيد.   يولّد ذلك اليقين الذي يبدأ بعبارة "لا يختلف اثنان" كثيرا من التداعيات، ويستدعي تأمل الأسلوب النقيض الذي يتخذ من "السؤال" جسرا للوصول إلى الحقيقة. سواء كان الوصول متعثرا أم متعذرا. فلو طرح على صاحب تلك العبارة الصلبة الواثقة سؤالا عن "معنى الحياة" مثلا. لاستهل كلامه بعبارات قاطعة مانعة، باعتباره قد فهم معنى الحياة، وأدرك الغامض من أسرارها. لكنك لن تظفر منه بأكثر من فسيفساء إنشائية مزينة ببعض الأقوال المتداولة والأمثال المألوفة. غير أن البلاغة وحدها لا تكفي لصنع حقيقة واحدة.   وعود إلى الفكرة التي انطلق منها المقال السابق أقول: طرح تيري إيجلتون السؤال نفسه عن معنى الحياة، فلم يعالج "قلقه" أو فضوله المعرفي بالعبارات  نفسها، بل استهل كتابه بإهداء ذي دلالة عميقة يقول فيه: "إلى أوليفر.. الذي وجد الفكرة كلها مربكة أشد الإرباك"! مرورا بالسؤال: "هل معنى الحياة هي الحياة نفسها مثلما نراها بطريقة معينة"، ومن ثم يكون لكل واحد منا إجابته الخاصة به. ثم تتداعى لديه الأسئلة تباعا، ليأخذنا السؤال إلى آخر، وليستنتج أنه قد يوجد جواب ما يزيح الحجاب عن ذلك المعنى، لكن لن يُقدَّر لنا قط معرفته. ومن ثم سيختلف في فهم معنى الحياة اثنان وثلاثة وأربعة وألف..  وإلى ما لا نهاية.