د. ابراهيم العثيمين

السعودية - الهند و«مبدأ الاحتياج الاستراتيجي»

ناقشنا في مقال سابق "المعجزة الهندية وتحولات النظام الدولي"، التغير في موازين القوى وطبيعة انتقال مقادير القوة الاقتصادية من الدول الصناعية إلى القوى الآسيوية. وكيف أن صعود الهند كان في قلب هذه الانطلاقة الاقتصادية لآسيا، إلا أن هذا النمو الاقتصادي المستمر لآسيا بشكل عام، والهند بشكل خاص؛ خلق مشكلة زيادة الطلب على الطاقة. فقد تضاعف استهلاك الهند للطاقة بشكل كبير بين سنوات 1990 و2011من 40% سنة 1990 إلى 70% سنة 2011، وتم استيراد نحو 64% منه من الخليج والشرق الأوسط في 2012، وتقول التقديرات: إنه بمجيء سنة 2032 ستستورد الهند نحو 91% من احتياجاتها من الطاقة من الخارج، وسيكون جزء كبير منها من الخليج والشرق الأوسط. وبالتالي ستظل الهند تعتمد بما لا يقل عن 70% من احتياجاتها من النفط الخام من الخليج العربي؛ وذلك لسد حاجتها النامية.سعت الهند لإنشاء علاقات أمنية مع بعض دول المجلس، في إطار محاربة الإرهاب والجريمة إن الحديث في المقال التالي -مقال اليوم- سيكون محاولة للوقوف على أهم القضايا ذات الاهتمام المشترك، التي تجمع بين السعودية والهند. فعلى الرغم من بعض الخلافات التي شابت العلاقات بين البلدين  أواخر القرن الماضي: كقضية كشمير عام 1989، وتدمير مسجد بابري عام 1992، وموقف الهند السلبي في حرب الخليج الثانية، إلا أن هناك على الجانب الآخر عددا من القضايا الرئيسية التي تشكل أساساً متيناً، يمكن للعلاقات السعودية - الهندية أن ترتكز عليها في جانبها السياسي والأمني. أولا: أمن الطاقة والأمن في منطقة الخليجإن استمرار النمو الاقتصادي الهندي، سيعتمد بشدة على استمرار إمدادات الطاقة من الخليج بأسعار معقولة. فكما تمت الإشارة فإن الهند ستكون من اكبر الدول المستوردة للطاقة اوائل عام 2020، وان معظم امداداتها النفطية ستكون من منطقة الخليج. وبالتالي فإن زيادة الطلب على الطاقة إنما يعمل على زيادة حساسية الهند إزاء منطقة الخليج.  فأمن الطاقة على صلة وثيقة بالأمن الإقليمي الخليجي، وإن أي انقطاع لإمدادات النفط من الخليج سيسبب عواقب كارثية على الاقتصاد الهندي، وكذلك على الحكومة الهندية. فقد أدى حظر النفظ عام 1973إلى دخول الهند إلى مرحلة من التأميم، كما أدت مشكلات أوائل تسعينيات القرن الماضي بالهند إلى حالة قريبة من العجز عن سداد الديون. بالتالي لكي تضمن الهند دورا مميزا في الامن الاقليمي الخليجي؛ فلا بد لها من تعزيز نفوذها الدبلوماسي في الخليج والذي من شأنه كذلك ان يزودها بعازل استراتيجي في مواجهة السياسات التي تعمل ضد مصالحها.  ثانيا: الأمن البحري يرتبط موضوع أمن الطاقة بالأمن البحري، خاصة في ظل تنامي الترابط العضوي بين المحيط الهندي والخليج العربي من ناحية، وبحر العرب من ناحية أخرى على المستوى الاقتصادي والإستراتيجي. فالخليج العربي يعد من اهم المناطق الجيو- استراتيجية في العالم، فعبر منفذه الحصري مضيق هرمز يمر سدس إنتاج النفط العالمي، ومن خلال المضيق يمكن الوصول إلى بحر العرب فالمحيط الهندي. وبالتالي فإن هذا المضيق يربط أكبر منطقة مصدرة للنفط في العالم مع المحيط الهندي، والتي من خلاله تستورد الهند امدادات الطاقة الحيوية وتنجز تبادلاتها التجارية.  فالأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز لا تقتصر باعتباره ممرا لناقلات النفط فقط، وإنما أيضا لطبيعته التجارية، حيث إن جانبا كبيرا من تجارة دول المنطقة الواقعة على طول سواحل الخليج تمر من خلاله وعبر مياهه، حتى أصبحت سلامة وأمن الملاحة في المحيط الهندي مرتبطين بسلامة وأمن الملاحة في مضيق هرمز. فحادثة احتجاز ايران خمسة عشر عنصرا من قوات البحرية البريطانية كرهائن في مارس 2007، وحادثة يناير 2008 حين استفزت زوارق الحرس الثوري الإيراني سفنا تابعة للبحرية الامريكية والتهديدات الايرانية المتكررة بغلق مضيق هرمز، وعمليات القرصنة البحرية والسطو المسلح التي من شأنها إعاقة طرق الملاحة الدولية؛ توضح مدى خطورة المشكلة الأمنية في مياه الخليج. ويرى الخبراء الاقتصاديون، أنه في حال غلق مضيق هرمز لأي سبب؛ فإن سوق النفط العالمية ستواجه نقصا بنسبة 16.5 إلى 20 مليون برميل، وعندها من المرجح أن يرتفع سعر برميل النفط لنحو 250 دولارا للبرميل، وهو ما يجعل أن إغلاق مضيق هرمز سيوقع العالم كله في أزمة طاقة رهيبة كافية لتعطيل كل أوجه الحياة في العالم المعاصر. وبالتالي فحرية تدفق إمدادات الطاقة عبر الممرات المائية في الخليج العربي، عامل جوهري لتفادي الانهيار الاقتصادي والصناعي في العديد من دول العالم، من ضمنها الهند التي تعتمد بشكل اساسي على إمدادات الطاقة من دول الخليج. وعليه يفترض على الهند المساهمة اكثر في حماية الممرات المائية، وتكون لاعبا بارزا في قضايا الأمن الإقليمي الخليحي. ثالثا: الإرهاب والجريمةبعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ظهرت قضية مكافحة الإرهاب في العلاقات بين الهند والسعودية كفرصة للتقارب السياسي وتعزيز العلاقات، من خلال إدراك الطرفين انهما يواجهان خطرا مشتركا. فقد عانت المجتمعات السعودية والهندية على حد سواء من مظاهر الإرهاب. فأدانت السعودية الهجوم على البرلمان الهندي سنة 2001. في المقابل سعت الهند لإنشاء علاقات أمنية مع بعض دول المجلس في إطار محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، وقد عقدت معاهدة تبادل المجرمين مع كل من اتحاد الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية. وحضرت الهند مؤتمرًا في المملكة العربية السعودية حول الإرهاب سنة 2004، وأيدت الاقتراح السعودي بإنشاء مركز إقليمي لمكافحة الإرهاب. وفي عام 2009 صرح نائب الرئيس الهندي حامد أنصاري خلال زيارته للكويت بأهمية التعاون بين دول الخليج والهند؛ لمحاربة الإرهاب. لذلك فإن كل طرف لديه مصلحة واضحة في توحيد الجهود، والتعاون بشكل مؤسسي من خلال مكافحة الإرهاب والتطرف والتشدد بكافة أشكاله، وتطويقه وتجفيف مصادر تمويله.