الأحكام المسبقة.. وتحييد العقـل
كثيرون أولئك الذين لا يستطيعون التخلص من الأحكام المسبقة على الناس والحياة، وبذلك يحرمون أنفسهم من مزايا المعرفة ولذة الاكتشاف، كما يحرمون عقولهم من فرصة البحث عن الحقيقة، والخروج من دائرة الشك والظنون، والرسو على شاطئ اليقين، والاعتراف بأن للناس والحياة مواقف وقناعات قابلة للتغيير، وبتحكيم العقل لا يصبح الإنسان أسير هوى الأحكام المسبقة، ولابن الرومي في هذا المعنى: وانظر بعين العقل لا عينِ الهوى فالحـق للعـين الجليَّة عـاريوغالبًا ما تكون الأحكام المسبقة نتيجة ظن خادع، أو انطباع عام، أو تأثر بكلام عابر، أو قول وردٍّ في سياق غير السياق، فيؤخذ ذلك كله على علاته دون عناء البحث عن الحقيقة، أو التفكير في الاحتمالاتغالبًا ما تكون الأحكام المسبقة نتيجة ظن خادع، أو انطباع عام، أو تأثر بكلام عابرالأخرى، أو إعادة النظر في الموقف حتى مع توافر الدليل الذي يزعزع أركان القناعات المبنية على الاحكام المسبقة، وفي ظل خضوع العقل لهذا النوع من البلبلة تضيع الحقيقة، وتتسيّد السذاجة ويغيب الوعي. وهذا ما يُتيح لبعض الحكومات الضحك على عقول شعوبها، وما يُتيح لرب الأسرة تضليل أفراد أسرته، وللمدير تسخير موظفيه لخدمته، وللفرد فقدان مَن يسعى لصداقته، دون علمٍ بما يحمله الطرف الثاني من تلك الأحكام المسبقة، وهي في الغالب أحكام ظالمة خاصة عندما يتبناها مَن نتوسّم فيهم الخير، ونظن فيهم صفاء السريرة، وشفافية المشاعر، وصدق النوايا. وأسوأ ما في الأمر أننا لا نراجع أنفسنا حيال أحكامنا المسبقة على الناس أو الحياة، ونظل أسرى لتلك الأحكام، لنفوِّت على أنفسنا فرصة البحث عن الحقيقة، والتفيؤ في ظلال اليقين والطمأنينة، فليس أسوأ على الإنسان من أن يبني علاقته بالناس والحياة، على الشك وسوء الظن، وهذا نوع من سجن الذات في زنزانة الريبة، والانعزال عن التفاعل الإيجابي مع ما في الحياة من إشراقاتٍ رائعة، وما في الناس من خير يحتاج إلى دفء الصدق؛ لينمو ويورق ويثمر عطاءً متدفقًا، به تجمل الدنيا. وكأني بالشاعر يقصد هذا المعنى عندما قال: أحبابنا ما أجمل الدنيا بكم لا تقبح الدنيا وفيها أنتمووالإنسان السوي ينفض عن كاهله دومًا غبار الظنون والأحكام المسبقة، ويتعامل مع المواقف برغبةٍ شديدةٍ في اكتشاف حقيقة مَن يريد التعامل معهم، حتى مَن يختلف معهم في الرأي، فالحياة ليست على هوى الناس، والناس ليسوا سواسية فيما يريدون وما لا يريدون، فيما يعتقدون وما لا يعتقدون، وإذا أردنا الانسجام مع أنفسنا فعلينا أولًا الانسجام مع الناس والحياة، فهذا يعكس الرضا، دون أن يحرمنا من حق الاحتفاظ بقناعاتنا الذاتية، على ألا تشمل الآخرين، ما دمنا نؤمن بحرية الرأي، وحرية الموقف، ومن رحمة الله بعباده أن خلقهم على هذا التنوّع في المواقف والآراء والأفكار، وحثهم في الوقت نفسه على الترابط والتكاتف والتآزر، بعد أن خلقهم شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، بعيدًا عن الظن، وبعض الظن إثم، أو كما قال علي بن مقرب العيوني: يا غافِلًا لَعِبَ الظَنُّ الكَذُوبُ بِهِ خَفِ العَواقِبَ وَاحذَر زَلَّةَ القَدَمِوكلما تخلّينا عن الأحكام المسبقة المبنية على الظن.. استطعنا التفاعل مع الحياة وما تحمله من جمالٍ هو أولى أن يملأ حياتنا بجمالها وروائعها، ومن أجمل روائعها العلاقات الإنسانية المبنية على المحبة والشفافية واحترام الآخرين ومواقفهم، حتى وإن اختلفنا معهم، فالاختلاف لا يعني الخلاف.. حتى لا نحيد عقولنا ونتركها رهينة الأحكام المسبقة.