الصناعة بوزارة مستقلة أفضل لمستقبلنا
الصناعة من القطاعات التنموية التي تحدد القيمة الاقتصادية لكثير من دول العالم، وبها ارتقت كثير من الاقتصاديات المعاصرة أعلى مستويات التطور التنموي، والمعروف عنها بداهة أن الوظيفة الواحدة بها، توفر حوالي سبع وظائف جانبية أخرى، أي أن الوظائف تتوالد منها بصورة تستوعب كثيرا من العاطلين والباحثين عن أعمال. وإلى جانب ذلك فإن قيمتها الاقتصادية كبيرة، بوصفها نشاطا استثماريا يتقاطع مع كثير من القطاعات ومدخولاتها، كما أن أرباحها عالية مقارنة بغيرها من القطاعات الأخرى، وذلك ما جعل الدول المتقدمة تركز عليها منذ قيام الثورة الصناعية في الغرب، وحافظت على ذلك، فكانت العناية بها من صميم الخطط الاستراتيجية؛ للارتفاع بالاقتصاديات الكلية لتلك الدول، التي تحتل المراتب الأولى في الاقتصاد العالمي، وكان كل ذلك بفضل الصناعة.نحن في حاجة وبصورة عاجلة إلى النظر في فصل الصناعة بوزارة مستقلة لدينا ومن مواقع المؤشرات الاقتصادية، ضعف واضح في أداء الجهات والمؤسسات المعنية بالصناعة والتصنيع، فإذا لم يكن بمقدورنا أن نصنّع وفقا لإمكانياتنا الإبداعية وابتكاراتنا، فقد ظللنا نسمع عن نقل وتوطين التقنية منذ عشرات السنين، ولكننا بقينا مستهلكين لتلك التقنية، وكأننا زاهدين فيها طالما أنه يتم توفيرها في ظل وجود المال، وكان بإمكان وزارة الصناعة والغرف الصناعية والتجارية، وحتى رجال الأعمال، المبادرة إلى تأسيس واقع صناعي متطور وقوي من خلال مبادرات ذاتية في ارتباطها بالعالم الأول، وبدلا من استيراد عمال وفنيين وأجهزة؛ كان بالإمكان العمل على تصنيع كثير من "الأشياء" محليا، وتأسيس المعامل البحثية الى جانبها، وابتعاث الشباب الطموح لدراسة ما يتعلق بتطورات التصنيع في المجالات المختلفة، أي كان بالإمكان تأسيس بنية تحتية علمية للصناعة، بدلا من الاتكال على "الفرانشايز" والوكالات الاستهلاكية، التي يحظى أصحابها بعمولات محدودة، فيما بالإمكان الحصول على الكعكة بكاملها فيربحون ويربح الوطن معهم.ربما أن المسؤول الأول والأخير عن ذلك، هو وزارة التجارة والصناعة، التي لم تبادر إلى دفع رجال الأعمال والغرف التجارية إلى منهج استراتيجي؛ لتأسيس واقع صناعي يليق بالمملكة ونموها ووضعها العالمي، فنمور آسيا أصبحت دولا صناعية؛ لرغبتها وإرادتها في ذلك، فاعتمدت برامج علمية؛ للوصول إلى وضع تصنيعي يضعها في مقدمة الاقتصاديات العالمية، والوزارة المعنية بصفتها جهة تنفيذية تطبق تلك الخطط والمنهج الاقتصادي بحرفية، والسؤال هنا هو: لماذا تأخرنا نحن؟! فيما لدينا القدرات اللازمة لنصبح قوة اقتصادية، لها وزن مستحق أكبر من الحالي؟!.ذلك أننا بحاجة إلى التخصص، وذلك منهج عالمي، يتطلب احترافية في أداء الأجهزة التنفيذية؛ لأنه يمتعها بقوة أكبر في ذلك الأداء، يوفر كثيرا من التكنوقراط المبدعين.نحن في حاجة وبصورة عاجلة إلى النظر في فصل الصناعة بوزارة مستقلة عن التجارة؛ لأن قدرات الوزارة الحالية واضح أنها بالكاد تكفي إدارة الشؤون التجارية، وهي أسهل كثيرا من إدارة العمليات الصناعية، وقيادة برامج صناعية عملاقة في مستوى طموحاتنا لأن نصبح دولة صناعية متقدمة، وذلك لا بد منه؛ ليواكب مدننا الصناعية التي تحظى بهيئة مستقلة، ولها شخصيتها الاعتبارية، وبإختصار نحن في حاجة إلى وزارة "صناعة" متخصصة ترتقي بالأداء الصناعي بحرفية ومهنية، بعيدا عن تجاهل وزارة التجارة والصناعة للصناعة، وتركيزها على الأولى على حساب الثانية، ولكي ننجح لا بد من تحقيق توازن يبدأ بفصل الصناعة في وزارة مستقلة، تبدأ مسيرة اقتصادية وتنموية أكثر نضجا، وتماشيا مع الواقع والمستقبل.