د. ابراهيم العثيمين

باكستان الحليف القديم المتجدد للسعودية

زيارة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، إلى جمهورية باكستان الإسلامية، هي امتداد لسلسلة من الزيارات لمسؤولين سعوديين للعاصمة الباكستانية إسلام آباد، بدأها وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل في السابع من يناير 2014م، في إطار اجتماعات اللجنة الوزارية بين البلدين، حيث كانت اللجنة الوزارية المشتركة عقدت اجتماعها السابق في الرياض. تلاها زيارة نائب وزير الدفاع سلمان بن سلطان إلى باكستان، التي زار خلالها منشآت ومصانع عسكرية باكستانية في مدينة كامره وغيرها. وتأتي زيارة ولي العهد، في نفس الإطار؛ لتقوية العلاقات السعودية - الباكستانية، وتطوير هذه العلاقات إلى آفاق جديدة من التعاون، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي. فعلى مدى ستة عقود، شهدت فيها العلاقة السعودية - الباكستانية تطورا ثابتا، نشأت عبر وحدة الدين والقيم والثقافة؛ لعبت هذه العوامل -بلا شك- دورا هاما في تعزيز هذه العلاقة بين الطرفين، إلا أنه وفي ذات الوقت، هناك مصالح مشتركة دفعت الطرفين نحو التعاون والتفاهم.هناك مصالح مشتركة دفعت الطرفين نحو التعاون والتفاهمفالمملكة العربية السعودية سرعان ما أدركت أهمية العلاقة مع باكستان؛ لتوثق الصلة معها، حيث زار جميع ملوك السعودية -تقريبا- باكستان. ترتكز هذه العلاقة على مصلحتين مهمتين من المصالح المشتركة؛ ألا وهي رؤوس الأموال، وشؤون الدفاع. وسأحاول في هذه العجالة، تحليل هاتين المصلحتين، ونتبعهما في مقال لاحق بنظرة تفحصية، في التحديات المتوقعة التي تواجه علاقة البلدين في المستقبل.استثمار رؤوس الأموالباكستان دولة تعاني من عجز في رأس المال، ينخر جسدها الفساد المستشري، في معظم أجهزتها الحكومية، بالإضافة إلى ذلك، فقد تعرض الاقتصاد الباكستاني إلى انتكاسات كبيرة، بعد الحادي عشر من سبتمبر، كونها جبهة للحرب على الإرهاب. قال وزير الخارجية شاه محمود قريشى، في اجتماع وزاري لأصدقاء باكستان الديمقراطية، والذي عقد في إسلام أباد في يوليو المنصرم، قال: إن "باكستان تكبدت 43 مليار دولار، خلال الأعوام التسعة الماضية"؛ مما يحوجها إلى رأس مال أجنبي للاستثمار في اقتصادها. كانت السعودية ولا زالت من أوائل الدول التي استثمرت في باكستان، بشكل مكثف في شتى القطاعات. فاعتمادا على البيانات الإحصائية الصادرة عن سفارة باكستان، فإن السعودية تعد أحد أكبر عشرة مصدرين لجمهورية باكستان، كاشفة أن حجم التبادل التجاري بلغ خلال الفترة من منتصف عام 2012 وحتى منتصف عام 2013، ما قوامه 18.7 مليار ريال (5 مليارات دولار). فخلال عقد من الزمن بين 2002 و2012، وصل حجم التجارة المتبادلة بين البلدين قرابة 115.4 مليار ريال (30.7 مليار دولار). وتأتي الزيارة الأخيرة امتدادا لتعزيز مصلحة رؤوس الأموال، من خلال توقيع اتفاقيتين اقتصاديتين بقيمة 182مليون دولار. الأولى: قرض إنمائي لتمويل مشروع غولن غول الكهرومائي، بمبلغ يعادل 57.8 مليون دولار (216 مليونا و750 ألف ريال سعودي)، فيما تتضمن الثانية: تمويل صادرات عبارة عن أسمدة يوريا من إنتاج شركة سابك السعودية، بمبلغ 125 مليون دولار. ولم تقتصر دوافع استثمارات المملكة العربية السعودية على أسباب ربحية محضة، حيث منحت رؤوس الأموال لباكستان في العديد من المواقف؛ لتنقذها من حالات صعبة. فعلى سبيل المثال: عندما تعرضت باكستان في 2005م لزلزال مدمر ضرب إقليم بلوشستان جنوب غرب باكستان؛ قامت المملكة بمنح باكستان 38 مليون ريال كمساعدات إنسانية للمتضررين من جراء الزلزال، في موقف تاريخي نادر. وعندما تعرضت باكستان الى فيضانات اجتاحت الأراضي الباكستانية في عامي 2010 و2011، تلقت الحكومة الباكستانية منحة قدرها 170 مليون دولار من المملكة العربية السعودية؛ من أجل عمليات الإغاثة في المناطق المتضررة من باكستان، كنشاطات إعمار ما هدمه الزلزال. ويسلط هذا الدعم المادي السخي الضوء على أهمية باكستان لدى المملكة العربية السعودية، وإلى أي مدى أن هذه العلاقات متلاحمة، كما أن باكستان دولة تقدر موقف المملكة وتقدر كل المساعدات المالية التي قدمتها السعودية لها، وهو الأمر الذي يمكن الاستفادة منه في تعميق وتقوية العلاقات بين البلدين. ومن المرجح أن تحذو دول الخليج الأخرى حذو المملكة، كلما ازدادت مصالحها الذاتية في باكستان.العلاقات العسكريةتوثقت العلاقات العسكرية بين الرياض وإسلام أباد، منذ مطلع الستينات في القرن الماضى، حيث ساهم الجيش الباكستاني في تأسيس القوات المسلحة السعودية. ومساعدة القوات الجوية الملكية السعودية في بناء وتجربة أولى طائراتها القتالية النفاثة في الستينات. كما ان "الدعم الباكستاني كان واضحا في حرب 1967م وفي حرب 1973م، حيث أبدت باكستان استعدادها للمشاركة لكنه لم يطلب منها المساعدة".  وكذلك شاركت في الحرب التي خاضتها القوات اليمنية ضد المتمردين الحوثيين في أواخر 2009 وأوائل 2010. بالإضافة إلى وجود تعاون مشترك بين السعودية وباكستان؛ لرفع مستوى القطاعات الأمنية والعسكرية، حيث يوجد أكثر من 1200 مدرب باكستاني في مختلف القطاعات الأمنية والعسكرية المختلفة، سواء التابعة لوزارة الداخلية أو التابعة للقوات المسلحة.  وتأتي الزيارة الأخيرة؛ لتعزيز مصلحة الدفاع، من خلال التركيز بشكل خاص على تدريب الأفراد، وتعزيز التعاون في مجال الإنتاج الدفاعي المشترك، إلى جانب مشاركة المعلومات الاستخباراتية في مجال محاربة الإرهاب، حيث سيجري توقيع اتفاقية تعاون أمني بين البلدين.