المازوت أولا ..
علينا أن نعترف نحن مواطني العالم الثالث بالتقصير تجاه المخلوقات الأخرى التي تشاركنا العيش على هذا الكوكب. فأين نحن، في تعاملنا مع الحيوان، من مواطني العالم الأول. تأمل هذه الأخبار الطريفة: دفع أحدهم فدية بمبلغ 200 ألف دولار ليستعيد سلحفاته من عصابة اختطفتها. وفي خبر آخر منح أحدهم قطته بطاقة ائتمان. ومرة تم استدعاء فريق طبي لتجميل منقار بطة، فانهالت الاتصالات للاطمئنان على سلامة البطة. ركنا، آنذاك، مشغولين بالسؤال الذي طرحته المطربة صباح: "آكلك منين يا بطة.. آكلك منين"؟ أما الشحاذة مع الكلب في أوربا فهي أكثر استدرارا للعطف من الشحاذة مع طفل. في العالم الثالث، أيضا، بعض الاستثناءات. لاحظ، على سبيل المثال، الفرق بين حظ كلب مشرد في قرية يعاني أهلها من شظف العيش، وحظ الكلب (شحيبر) في المسرحية الكوميدية (الواد سيد الشغَّال). فبعد أن تطلب بنت البهوات إفطارها، تخاطب الشغال (عادل إمام) عبر الإنترفون قائلة: "وما تنساش فطار شحيبر"، فيتساءل متعجبا: "الكلب؟" ثم يضيف قائلا: "هو بيفطر؟ ده أنا ما فطرتش إلا بعد ما أخذت الإعدادية"! وبعد أن تعدد سيدة القصر مكونات إفطار شحيبر، يتساءل الواد سيد: "كل ده لشحيبر؟" ثم يعلق قائلا "وللكلاب حظوظ"! في الحيز الجغرافي العربي بشكل خاص، مشغولون بأمور السياسةقلت: أين نحن في تعاملنا مع الحيوان من مواطني العالم الأول؟ مع ذلك، يمكن أن ألتمس العذر لمواطن العالم الثالث. فهو لا يختلف عن نظرائه من الخلق، وفي قلبه مساحة للتعاطف مع تلك المخلوقات الجميلة الضعيفة الوادعة، وكذلك القوية المفترسة، لكن الإنفاق على إطعام أو علاج حيوان أشبه بالنكتة عند المشغول بتأمين ضرورات العيش اليومية. إن الهم أو الشاغل البشري يصلح، أحيانا، مؤشرا جيدا لمعرفة الفارق المعيشي بين بيئة وأخرى، وقد يكون أكثر صدقا ودقة من المؤشرات التي تتكئ على الأرقام، مثل معدلات النمو، والناتج الإجمالي القومي، ومتوسط دخل الفرد. وما دام الحديث عن اختلاف الاهتمامات، فهل هذا وحده هو وجه الاختلاف بين الشرق والغرب؟ في الغرب يحتج الناس إذا زاد معدل الضريبة، أو ارتفع سعر الخبز أو رسوم الدراسة، أو تم الاعتداء على البيئة، وما زالت ذاكرتي تحتفظ ببقايا لقطات من فيلم غربي يعبر عن الواقع هناك. تدور أحداث الفيلم حول شجرة معمّرة كانت البلدية على وشك اقتلاعها خدمة لبعض مشاريعها الإنشائية، وقامت قيامة أهالي الحي ولم تقعد، فقد أصبحت الشجرة/القضية شاغل الجميع صغارا وكبارا، وقد تحركوا لإنقاذ الشجرة بإيجابية مثيرة للدهشة والإعجاب، ونجحوا في الحفاظ عليها. لكن الناس في الشرق، وفي الحيز الجغرافي العربي بشكل خاص، مشغولون بأمور السياسة، وبالقضايا (المصيرية)، حتى أولئك الذين تصح عليهم العبارة القائلة: "لا في العير ولا في النفير". وما أكثر تلك القضايا التي لا وجود لها إلا في رؤوس أصحابها، والتي لا تمس حياة الفرد، ولا تساهم في تحسين معيشته. ولعل المرة الأولى التي سمعنا فيها هتافا له علاقة بمعيشة الفرد، ولا علاقة له بـ (القضايا الكبرى) هي حين هتف سائقو الشاحنات في لبنان قبل عشر سنوات مرددين "بالروح بالدم نفديك يا مازوت"!! احتجاجا على ارتفاع سعر المازوت! ختاما، وعلى طريقة "قُلْ لي.. أقُلْ لك".. أقول: "قُلْ لي ما هي اهتماماتك، أقُلْ لك في أية بقعة من بقاع الأرض تعيش". ولكل قاعدة استثناء.