سالم اليامي

سنة ثالثة ثورة

ذكرى قيام ثورة 17فبراير أصبحت مناسبة يحتفل بها الناس في طرابلس وبنغازي وفي غيرها من المدن الليبية، وفي عشية الذكرى الثانية في فبراير 2013م كُنت عائدا إلى العاصمة الليبية طرابلس من اجازة قصيرة، وخلال تجولي في الشوارع الرئيسية لفتت انتباهي كتابات تملأ الجدران أينما ذهبت في طرابلس، وكانت تتحدث عن شيء غير مفهوم بالنسبة لي من الوهلة الأولى، حيث جاءت العبارات على وزن «إننا قادمون» أو «قادمون»، وزاد من حيرتي أن كثيرا من تلك الكتابات إما ممسوح جزء منها أو مطموس جزء بلون باهت يمكن المارة من قراءة العبارة الأصلية، إضافة إلى العبارات التي يبدو أنها رد على العبارات السابقة وفيها وصف ونعت أكثر مثل «إننا منتظرون» أو  «للطحالب مستعدون» ولما لم تساعدني خبرتي في قراءة حديث الشارع حينها توجهت لاحد الأصدقاء الليبيين وسألته عن أسرار تلك الحوارات ومعانيها. فأخبرني الرجل بأن هذه رسائل تهديد من أتباع النظام السابق تفيد بأنه ربما يكون هناك تحرك من جانبهم للقيام بعمل ما لإفساد احتفالات الليبيين بالذكرى الثانية للثورة. في الحقيقة لم يسعدني ذلك التفسيرالذكرى الثالثة للثورة تحل على الليبيين في مناخ استثنائي على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصاديةووجدتني اسأل الصديق الليبي عن جدية تلك التهديدات من وجهة نظره كمراقب فقال: لا تفكر كثيرا في الأمر يا صديقي. «دوا فارغ» أي كلام عالٍ أو صراخ لا معنى له. على كل حال مرت مناسبة الذكرى الثانية في المنطقة الغربية بدون مشاكل كبيرة، وكان هناك احتفالان كبيران في اثنين من المواقع المخصصة للتجمع في العاصمة وسارت الامور بسلام. الذكرى الثالثة للثورة تحل على الليبيين في مناخ استثنائي على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية. وعلى الرغم من أن البلاد منذ اندلاع شرارة الثورة تتعايش مع الأوضاع الاستثنائية إلا أن الوقت الذي تحل فيه هذه الذكرى يمثل درجة عالية من الحساسية. ويمكن حصر أوجه الحساسية في عدة مسارات أبرزها: المسار السياسي، والذي بدأ يشهد تفاقما منذ 24 ديسمبر 2013م، حين أعلن المؤتمر الوطني العام التمديد لنفسه فترة ولاية جديدة تستغرق عاما كاملا، وكذا التمديد ضمنا للحكومة المؤقتة، ما أدخل البلاد في حالة من الانقسام السياسي على مستوى الكتل السياسية الكبرى، وما تبع ذلك من انقسام ملحوظ في الشارع الليبي بين المؤيدين للتمديد والمطالبين بسرعة اقالة أعضاء المؤتمر وتنحية الحكومة وعدم الاعتراف بشرعيتهما منذ السابع من الشهر الجاري! ثم هناك المسار الاقتصادي والذي تتمثل عقدة المنشار فيه بحقول ومصافي النفط وسيطرة تشكيلات مسلحة جهوية وقبائلية على عدد منها وهي  تشكل شريان الاقتصاد الليبي الاساس، وتلعب دورا هاما في علاقة البلاد الليبية بالدول الصديقة ودول الجوار. المسار الأكثر تأثيرا في رأي العديد من المراقبين للشأن الليبي هو المسار الأمني، وهو بطبيعة الحال يشهد خلال العام المنصرم درجة حادة من التدهور، فبعد سلسلة من الاغتيالات لشخصيات سياسية وإعلامية وعسكرية وسلسلة موازية من التفجيرات لمقرات عسكرية ومدنية عامة، شهد هذا المسار تحولاً نوعيا منذ 11 فبراير 2014م حين اندلعت المصادمات في الجنوب الليبي وفي منطقة سرت وكانت مواجهات متعددة الأبعاد، حيث كان بعدها الأول قبليا جسدته نزاعات بين مجموعات من عرقية التبو ومجموعات من قبائل أولاد سليمان العربية، البعد الثاني كان بعدا تم فيه اختراق السيادة الليبية حيث تحدثت التقارير عن تحرك مجموعات من غير الليبيين التبو إلى داخل الاراضي الليبية للمساهمة في نزاعات اثنية، البعد الاكثر خطورة تمثل في الاعلان الصريح عن صدامات بين المواطنين من أهالي المناطق الجنوبية وبين جماعات موالية للنظام الاسبق كما تحدثت عن تسليح نوعي للجماعات الموالية للنظام السابق لدرجة أن كان هناك حديث عن استيلاء على قاعدة حربية جوية من أيدي القوات المؤيدة لثورة 17 فبراير، وتواترت على اثر ذلك أنباء عن استعانة الحكومة الحالية بمجاميع من الثوار المسلحين من خارج جيش الدولة من مناطق مثل الزنتان ومصراته للدفاع عن الجنوب. الذكرى الثالثة للثورة لا اعتقد انها تأتي في وقت تعيش فيه البلاد الليبية أفضل الحالات، فالوضع خطير ومفتوح على احتمالات الانفلات الداخلي، والتدخل الخارجي أكثر من أي وقت مضى.