د. سعود بن عبدالله العماري

ظهر هذا الالتزام في العديد من التشريعات القانونية من أجل حماية المتعاقدين

الالتزام بالإعلام قبل التعاقداستقرت أحكام الشريعة الإسلامية والتشريعات القانونية المقارنة في نطاق المعاملات التجارية على ضرورة وجود التزام بين المتعاقدين سابقاً على التعاقد، يلزم أحد الطرفين أو كليهما بالإدلاء بكافة البيانات الجوهرية والمعلومات المتعلقة بالعقد المزمع إبرامه، كي يستطيع الطرف الآخر -بعد إعلامه إعلاماً صحيحاً- أن يُكوّن إرادة حرة سليمة في إبداء رغبته في التعاقد من عدمه، بغية تفادي الوقوع في غش أو احتيال. فعلى سبيل المثال يلتزم البائع أن يبين للمشتري العيوب الخفية التي تتعلق بالسلعة محل البيع وإلا كان غاشاً للمشتري، وهذا محرم شرعاً، فقد ورد عن عُقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليْه وسلَّم يقول «المسلم أخو المسلم لا يحلُّ لمسلمٍ باعَ من أخيه بيعًا فيه عيبٌ إلا بيَّنه له».والحديث النبوي الشريف يرسي قاعدة الالتزام بالإعلام قبل التعاقد بين المتعاقدين، تفادياً لوقوع أحد طرفي العقد في الغش وإصابته بضرر بسبب جهله بطبيعة المنتج، فإذا بين البائع للمشتري كافة العيوب الموجودة بالسلعة بمنتهى الصدق والوضوح والدقة ورضي المشتري بشراء السلعة بعيوبها فعندها يتم البيع صحيحاً.كما حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من عدم إعلام المشتري بوجود عيب في المنتج محل التعاقد، فقد ورد في صحيح مسلم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مرَّ على صبرة طعام، فأدخَل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام ….؟) قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: (أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس مَن غشَّ فليس مِنِّي). وقد ظهر هذا الالتزام في العديد من التشريعات القانونية من أجل حماية المتعاقدين، وخوفاً من حدوث اضطراب وعدم توازن في العقد، خصوصاً عند وجود طرفين في الغالب أحدهما يعرف بالطرف الضعيف والآخر يعرف بالطرف القوي صاحب النفوذ الاقتصادي والخبرة العالية، لذا بادرت العديد من القوانين الى النص على الالتزام بالإعلام قبل التعاقد لتحقيق الاستقرار في المعاملات التجارية من جهة، ولمنع وقوع الضرر على أحد طرفي العقد من جهة أخرى.وهذا الالتزام يستمد وجوده الفعلي من مبدأ «حسن النية في العقود» وهو التزام يشير إلى وجوب مراعاة الصدق والوضوح قبل التعاقد في مرحلة تكوين العقد وتنفيذه، والالتزام بالإعلام تتعدد صوره فقد يتم مشافهةً في مجلس البيع أو عند الجلوس على مائدة المفاوضات بين الأطراف المتعاقدة، وقد يتم بتقديم بيانات مكتوبة تحمل كافة الوقائع والمعلومات المراد إعلام الطرف الآخر بها، وقد يتخذ الالتزام بالإعلام صورة تقديم المشورة والنصح في بعض الأمور التي يتمتع فيها أحد الطرفين بخبرة كبيرة وباحترافية عالية.وتعد الطبيعة القانونية للالتزام بالإعلام قبل التعاقد محل اهتمام من قبل العديد من رجالات الفقه، حيث ذهب السواد الأعظم من الفقه القانوني إلى اعتبار الالتزام بالإعلام التزاما بتحقيق نتيجة معينة، وهى إعلام من يرغب في التعاقد بكافة المعلومات والبيانات المرتبطة بالعقد المراد إبرامه. وحال امتناع الطرف الآخر عن ذلك دون سبب مشروع فإنه يعد مخلاً بتنفيذ الالتزام، مع مراعاة أن المدين بالالتزام يلتزم بإعلام دائنه بالمعلومات الجوهرية فقط التي تؤثر على قبوله للعقد من عدمه، أما المعلومات غير الجوهرية التي لا تؤثر في قبوله للعقد من عدمه فلا يلتزم بها المدين بالالتزام بالإعلام.ولم تكن المملكة العربية السعودية بمنأى عن مواكبة الدول المعاصرة التي تحرص على تحقيق هذا الالتزام.فقد صدر نظام الغش التجاري الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/11 وتاريخ 29/5/1404هـ تطبيقاً لأحكام الشريعة الإسلامية التي تهدف إلى تحقيق العدل وتحريم الظلم وذلك من أجل حماية المستهلك ورعاية الاستقرار التجاري، كما أن الشريعة الإسلامية تغطي ما لم ينص عليه في الأنظمة المرعية، الأمر الذي يضمن عدم وجود فراغ تشريعي في مواجهة ما يرتكب من مخالفات.