مطلق العنزي

شيء من وبالات «موقعة» رياضية..!

لست من «متطقسي» الأخبار الرياضية، إلا لماما، وأصبح جهلي بشئون الأندية ومعاركها وحماقات بعض المشجعين، وعزوفي عن متابعات «أهوال» كرة القدم المستبدة الطاغية، تضرب به الأمثال الفواكه بين الزملاء، لكن لفت انتباهي خبر مفاده أن تلميذا تغيب عن المدرسة، فقدم والده عذراً بأن هزيمة الهلال النصراوية أثرت على مزاج الابن، فأضرب عن اللحاق بالمدرسة في ذلك اليوم.ولو أني مدير المدرسة لقبلت العذر، إذا ما توسمت أن الوالد كان صادقاً.لا يلام التلميذ، ولا يلام والده، لأن الكرة تدخل في كل منزل ومخدع ومخيخ بفجاجة وبنزوات اقتحامية احياناً. لم يعد التشجيع الكروي مسألة ترفيه وتزجية وقت، أو كما يتجملون، روحاً رياضياً، بل تطور بذهنية داروينية حادة ومتطرفة إلى أن أصبح الإعلام يقدم المنافسات الرياضية على أنها «معركة» و«موقعة» و«منازلة»، وهذه الأوصاف أوردتها من عناوين صحف، يضاف إليها حماس المعلقين وعواطفهم الجياشة، الأصلية والمصنعة، وصراخ المشجعين، بل قل و«عويلهم» واستغاثاتهم المكلومة، وكأنهم يخوضون قضايا أممية مصيرية، وتكاد الجبال أن تكون كَثِيباً مَهِيلاً، ويتوجسون طوفان تسونامي لا يبقي ولا يذر: فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العداكما يقول الشاعر الفلسطيني الشهيد عبدالرحيم محمود.ولو أني مدير المدرسة لصممت برنامجاً تثقيفياً توعوياً مضاداً لـ«الهياط» الرياضي في وسائل الإعلام، لتبصير التلاميذ، بأن نتائج المنافسات الرياضية، على خلاف ما تصنعه وسائل الإعلام وتقدمه، ليست نهاية العالم. وإذا ما مني ناد بهزيمة، فإن الأرض لا تميد بساكينها، والجبال أوتاد، وأن الدنيا مسرح عالمي واسع بعرض الأرض، وأن شقاءها وسعادتها، جهد وحظوظ، وملاوعات، وصراع طبيعي للأضداد يتعين أن يكون ناعماً. وأحاول اقناع التلاميذ بأن الفكر الاجتماعي للكائن الإنساني الرشيد اخترع الرياضة، بكل أنواعها، وفي كل مكان، كي تروح عن الناس كآباتهم وهمومهم ولتهذيب همجية البشر وإبراز ابداعاتهم.وسأشدد على أنه يجب أن يفقه التلاميذ، بكل بيان، أن الذين حولوا الرياضة إلى معارك وحروب وخصومات، هم كائنات متطفلة غير رشيدة، من شأنها أن تعلق بالأشياء والمسالي الجميلة الرائعة الأديبة لتحيلها قبحاً وبذاءات ومآذي وعداوات تجلب الهموم والكآبات عوضاً عن البهجة والسلوى.وتركم هو الجوع شرس وقاس مثل سياط الشتاء المتوحشة.يتشبث الرضيع بثدي يجف.والأم تقتات دموعها.ويصبح عياء الهزال هوية المدينة.وتتجول أشباح الموت في الشوارع الحزينة..إذ تنقلب الأناشيد نواحات، والأفراح مآتم.