د. إحسان بوحليقة

أعود للمباركية

كنت في الكويت قبل أيام. أثناء تجوالي وجدت نفسي على يساري البحر وقبالتي أبراج الكويت. أخذ الشريط يدور، فأول زيارة لي كانت برفقة والدي قبل عقود، ومنذ ذلك الوقت لم يخب بريق الكويت في عيني قط. زيارتي كانت زيارتي الأولى في قيظ أغسطس، قضيت جلها في سوق الهدم، حيث البشوت، والتعرف على الأطباق الكويتية. ومازالت منطقة السوق هي الأكثر جاذبية، فهي قلب الكويت النابض، والبوتقة التي تطحن الجهود لتجعلها إنتاجاً، والآلة التي لا تحب الجدل أو الوجل أو حتى كثرة القيل والقال، بل تعمل -كشأن كل عمل منتج- بصرف قليل جزء من الوقت في التفكير والتخطيط ثم الانطلاق للتنفيذ بما ينفع البلاد والعباد. ومع زياراتي المتكررة لدانة الخليج الريانة، كنت أجد دائماً روحاً متوثبة معتدة بذاتها وعلى ثقة، أستشعر ذلك بوضوح ممن يعملون وينتجون وينجزون.هذا البلد كان دائماً متحمساً لما هو عربيفي زيارتي الأخيرة، أتيحت لي الفرصة ان أقتطع وقتاً لزيارة أجمل الأسواق وأكثرها التصاقاً، رغم بساطتها، المباركية. وما جعل زيارتي هذه المرة مميزة احتفالات الكويتيين بهلا-فبراير بعودة الكويت لأهلها. قضيت مع ابنتي الصغيرة وقتاً جميلاً  في متابعة الطِيران والطبول وفرقة تؤدي العرضة، وصغار وكبار يهزون السيوف، وعلى بعد أمتار قليلة اصطفت عشرات الأكشاك ذات اليمين واليسار على امتداد الممر الرئيس، كلٌ يعرض ما يحلو له من لوحات وفنون وملابس وطعام وشراب، والآلاف يمخرون عباب الزحام ببهجة وفرح. هذا البلد كان دائماً متحمساً لكل ما هو عربي، وقوة دافعة لحفز العمل الخليجي المشترك. وهو أمر بدأ حتى قبل استقلال الكويت في بداية الستينيات من القرن الماضي، وقد كان ديدن أهل الكويت أخذ زمام المبادرة سواء تجارياً أو سياسياً وبالتأكيد ثقافياً وحضارياً، فاللون الأبرز خليجياً في الفنون والتثاقف كان كويتياً ساطعاً. وكالكثير، فقد قضيت مراهقتي استمع بشغف للموسيقى الكويتية التي عزت و«رزت» الألوان والمقامات الخليجية عموماً بما اعتادت أذاننا على سماعه في شرق مملكتنا الغالية. وكذلك لا أنكر تأثري بقامات كويتية سامقة تدرجت في القراءة لها منذ الصغر سواء في المجلات الخفيفة كالنهضة أو الشهرية الجادة كالعربي أو بعد ذلك قراءة الكتب التاريخية والسياسية الأكاديمية والمقالات والمطارحات في الصحف السيارة. والتأثر لا يعني بالضرورة قبولاً أو رفضاً، بل الاعتداد بوجاهة ما تقرأ من حيث القيمة والمضمون، إما للاجابة عن أسئلة حائرة أو لطرح أسئلة جديدة. أعود للمباركية، فبعد أن فرغنا من العرضة اتجهنا لشراء «درابيل ورهش»، ولأجد وكأن الدكاكين أفرغت بضائعها واستبدلتها بالألوان الزاهية الأخضر والأبيض والأحمر، ألوان علم الكويت، فالجميع يتهيأ لاحتفالات فبراير. وأثناء تجولي وابنتي، وجدت محلاً أنيقاً صفت فيه البشوت المذهبة بعناية تحيط بها صور لشخصيات زارت المحل، وجدت فيها معارف، وبينها صورة مألوفة تكررت يبدو أنها لصاحب المحل. ها أنا وابنتي كما كان أبي وأنا في نفس المكان، الذي تغير أننا كنا في بدايات عصر النفط وها نحن نتحدث عن نهاياته، ونتلمس مواقع أقدامنا في المستقبل.