حديث الفن والسياسة
لم يكن من المناسب عند الكثيرين أن تتيح وسيلة إعلامية برنامجا أو مساحة زمنية من وقتها وتعطيها لشخصية أو لوجه اجتماعي للحديث في شؤون لا تتعلق بميدانه وفنه الذي يمارسه. فليس من المنطقي أن يُسأل لاعب كرة ناشئ سؤالاً يتضمن رأياً تفصيلياً حول مستقبل تطور الحركة الرياضية الوطنية في بلد ما. كما لا يكون من المستساغ عادة أن يصبح الممثل أو الرسام والنحات مصدرا للرأي والمعلومة السياسية أو الاقتصادية. لكن -وكما يبدو- أن الأوضاع الراهنة في عالمنا العربي، بما تشهده من تطورات متسارعة على مستوى الأمن والسياسة والاقتصاد، جعلت كل فئات وكوادر المجتمع العربي حاملة للهم العام ومستشعرة انعكاسات الحالة العامة على مسارات الحياة الأخرى بما فيها المسارات الفكرية والفنية والثقافية.هناك أساتذة فقد الناس الثقة فيهم لمجرد أنهم تجار كلام وطالبو سلطةالفنان العربي نور الشريف أحد الوجوه التي تحظى بمتابعة وتقدير قطاع واسع من الجمهور العربي عندما يتحدث عن السينما والمسرح والتمثيل بوجه عام. لكن الأحداث الأخيرة في مصر استثارته وأخرجته عن سياقات الحديث عن الفن لإبداء الرأي عن واقع السياسة ومستقبلها في بلاده وانعكاساتها على مجمل الهم الثقافي العام بما في ذلك السينما والمسرح والحركة الفنية في مصر. جاء كل ذلك عبر ندوة فنية أقيمت على هامش مهرجان الأقصر للسينما الاوروبية في دورته الثانية. وأعجبتني شدة تركيز نور على ضرورة سعي المصريين إلى إنعاش دورة الاقتصاد المصري، مع الاشارة الى أهمية أن تكون هناك حكومة وطنية شفافة تعمل على إنقاذ التعليم العام، وتؤمن العمل كأحد مصادر الأمان للمصريين، لان هذه الوصفات أو الأسس -كما يرى- هي موانع متقدمة ضد غائلة الارهاب.ولأن الفنان لا يمكن إلا أن يكون فناناً حتى وهو يتحدث عن السياسة فقد كشف عن"حلمه" بأن تكون هناك مرحلة حسم تعبر بمصر إلى المستقبل حيث الاستقرار والدستور الذي يحمي مصر والمصريين. اللافت أن نور الشريف قيم السنوات الثلاث الماضية من عمر الثورة في مصر بإيجاز شديد، حيث رأى -كما قال- ان هناك رموزا انهارت، وأن هناك أساتذة فقد الناس الثقة فيهم لمجرد أنهم تجار كلام وطالبو سلطة وظهور إعلامي لا أكثر. ودون تمثيل أو تجسيد أدوار تراجيدية تحدث نور الشريف هذه المرة بمرارة عن علاقته بأمرين مهمين في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011م، هما: علاقته بالإعلام العام المصري، حيث أوضح انه تجنبه متعمدا زهدا في الضجيج والتشويش الذي ساد المرحلة، الأمر الآخر: أنه عبر بجرأة المصري والوطني عن رأيه السياسي بإمكانية اتاحة الفرصة لجماعة الإخوان المسلمين ليجربوا حقهم في السلطة وممارستها. لأنه كان يعتقد أنهم "تجار" محترفون سيوظفون خبرتهم تلك لخدمة مصر وشعبها كما كان يعتقد قبل أن تكشف له الأيام وممارسات الإخوان المتسرعة عدم صوابية رأيه ذاك. هناك جزئية لا تزال محل جدل سياسي واستراتيجي تعرض لها الفنان نور الشريف تتمحور حول طبيعة علاقة الولايات المتحدة الامريكية بما يسمى الإسلام السياسي، وصعود بعض رموزه السلطة في بلدان ما بات يعرف بالربيع العربي. حيث رأى أن كثيرين خدعوا بممارسات أمريكية توحي في ظاهرها بمساندة التيارات الإسلامية في تونس ومصر وليبيا وغيرها للوصول للسلطة، لكن الحقيقة -كما يقول- أن أمريكا كانت تسعى لإشعال حرب إسلامية في مصر وتركيا، من جهة، وفي بلدان ثانية من جهة أخرى. هذا في تقديري رأي شخصي ورأي فنان مرهف لا يخلو من الانطباعية والمباشرة والبساطة. وأعتقد إن كان هناك موقف أمريكي حقيقي حول ما ذكر فلن يتسنى لنا معرفته بهذه العلنية قبل مدة من الزمن قد لا تكون قصيرة. وبشيء من الموضوعية يرى نور الشريف أن مصر تجاوزت ما يمكن تسميته مرحلة أو أزمة الإخوان، وهي مدعوة الآن لتجاوز كل ذلك، والنظر إلى الأمام، لترسيخ مفاهيم حديثة تقوم عليها الدولة، وينعم بها الانسان المصري. وكما هو معروف أن الوفاء ميزة إنسانية حميدة.فقد طالب الفنان نور الشريف بمزيد من الوفاء للرموز الوطنية المصرية في ميادين الفن والثقافة والأدب والعلوم. أعتقد أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من الكلام في كل شيء، ومن الجميع، ولا ضير أن نسمع للبعض أحياناً.