خليل الفزيع

الشعر والشعراء في زمن الرسالة

في الأسبوع الماضي اختارت دارة الملك عبدالعزيز موضوع "شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم في زمن الرسالة" ليكون عنوانا لندوتها العلمية في المدينة المنورة، التي تودع عام اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية، ولتظل عاصمة للثقافة الإسلامية في كل الأعوام.شكل ظهور الإسلام تحولا عاما في الحياة العربية بجاهليتها هذا الاختيار الذي استقطب عددا كبيرا من الباحثين من داخل البلاد وخارجها، جاء في الوقت المناسب للرد على ما يتعرض له الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، من ظلم على أيدي من باعوا أقلامهم وضمائرهم للشيطان، وحاولوا النيل من مقامه الكبير، وخلقه الكريم، ورسالته الخالدة، وهم في كل ذلك خاسرون، فما ربحت تجارتهم وهم في الغي سادرون، والأسوأ من السوء أن تتطاول أقلام عربية على قدسية الرسالة والرسول وأهل بيته وصحابته، في عبث يخرج صاحبه من الملة، إلى نفايات التاريخ، كما حدث لكل من ارتكب هذه الخطيئة في الأزمنة الماضية.وأي شعر وأي بيان وأي محفل يمكن أن يفي الرسول الكريم حقه؟ بعد أن وصفه الله عز وجل بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) وكيف يستطيع الشعر أن يرد ما منحه له الرسول الأعظم من قيم روحية اتسمت بالخير والحب والجمال؟ والانتصار للقيم النبيلة، والسمو بأهداف الشعر وأغراضه، بعد أن أنقذه من تشوهات ونوازع الشر وملامح القبح وتعكير صفو العلاقات الإنسانية بين البشر، فقد حد الدين الحنيف من سطوة الشعر وجبروته، وروضه، وأبعده عن جنوح العاطفة البدائية، ليحلق في فضاءات الإبداع متألقا وداعيا إلى الخير امتثالا لما ورد في الأثر: (الشعر كلام حسنة حسن ، وقبيحه فبيح).لقد شكل ظهور الإسلام تحولا عاما في الحياة العربية بجاهليتها المشحونة بالممارسات الحياتية غير المستقيمة، ومن الطبيعي أن يطال هذا التحول الشعر وهو الصوت المعبر عن تلك الممارسات، فظهرت في القصيدة ملامح جديدة تجاوزت تلك الملامح الني اتسمت بها في الجاهلية، وبوعي يدرك مسئولية الشعر في المرحلة الجديدة من تاريخ العرب، والتف حول الرسالة والرسول عدد من الشعراء الكبار ومنهم من أدرك الجاهلية، ومنهم من تفتقت وترعرعت مواهبه الشعرية في أفياء الدين الجديد، وفي ظلال القرآن الكريم، وهدي النبوة، لتبدو ملامح تلك التحولات الجديدة ملتزمة بقيم فنية وروحية جديدة، ظهرت ملامحها في شعر حسان بن ثابت وعبدالله بن رواحة وكعب بن مالك، الذين نافحوا عن الرسول فكانوا على أعدائه أشد من نبل الرماح، والشعر مهما تطاولت أعناق قائليه، فإنه يظل قاصرا عن الإلمام بشمائل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكل ما يقدمه هو اعتراف بما اكتسبه من نفحات الخير وتجليات الإبداع، وقبسات الهدى، فظل شعراء العربية على امتداد تاريخ هذا الدين الحنيف يستقون من معينه الذي لا ينضب، وقودا لمعركتهم ضد سلبيات الحياة وتناقضاتها، واقتبسوا من أنوار القرآن الكريم وإشعاعات الأحاديث النبوية أغراضا وألفاظا ومعانيَ.. غيرت معجم الشعر العربي، وأضحت لآلئ زينت جيده عبر تاريخه الطويل، إلى جانب دور الشعر في صدر الإسلام وإسهامه في شحذ الهمم، للجهاد في سبيل الله، ونشر الدعوة الإسلامية في أقطار الدنيا، وصولا إلى خدمة المبادئ الإنسانية السامية، بدل خدمته للقبيلة حين كانت القبائل العربية تباهي بشعرائها وتعتبرهم رسلها المبجلين. وقد قامت دارة الملك عبدالعزيز بواجبها خير قيام لتوفير كل أسباب النجاح لهذا اللقاء العلمي المبارك، نفع الله به الإسلام والمسلمين.