تنفيذ أحكام التحكيم
بعد صدور نظام التحكيم السعودي الجديد لعام 1433هـ بادرت المملكة بخطى سريعة إلى تطوير المنظومة العدلية من خلال إصدار نظام التنفيذ الذي صدر عام 1434هـ لتنفيذ الأحكام بكافة أنواعها؛ لإجبار المدين على الوفاء بحقوق الدائنين مع إمكانية تتبع أموال المدين والحجز عليها وبيعها في المزاد العلني -إذا لزم ذلك- حفاظاً على حقوق الدائنين، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل يجيز نظام التنفيذ التضييق على المنفذ ضده إذا لم ينفذ أو يفصح عن أمواله لإجباره على الوفاء بحقوق الغير من خلال قيام قاضي التنفيذ بإلزامه بالإفصاح عن كافة أمواله وأموال زوجته وأولاده.المملكة تتبنى سياسة العدل والإنصاف في المجال الدولي وهذا الأمر من شأنه تيسير وتسهيل تنفيذ أحكام التحكيم الصادرة لصالح الشركات الأجنبية التي تزاول نشاطها داخل المملكة، لأن تنفيذ أحكام التحكيم يعد أهم مرحلة من مراحل التحكيم إذ هو روح التحكيم وثمرته ونتاجه ومن دونه يظل التحكيم فكرة قانونية مجردة، وجدير بالذكر أن قاضي التنفيذ لا يمكن له تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي إلا على أساس شرط المعاملة بالمثل، وهو ما يعني أن المحاكم الوطنية للمملكة لا تقبل الأمر بتنفيذ الحكم الأجنبي إلا إذا كانت المحاكم الأجنبية التي أصدرت هذا الحكم تقبل تنفيذ الأحكام الصادرة من قبل محاكم المملكة بنفس القدر وفى نفس الحدود.وتنفيذ الأحكام للوفاء بالاتفاقيات والمواثيق الدولية ليس بالأمر المستحدث في المملكة، بل يستند هذا الالتزام إلى أحكام الشريعة التي هي مصدر الأنظمة في المملكة، فاحترام الالتزامات والاتفاقيات أمر تحث عليه الشريعة الإسلامية؛ لتحقيق العدل والأمان والسلام بين الشعوب، والرائع أن الشريعة الإسلامية أكدت على أن الوفاء بالعهد علامة من علامات الإيمان الصادق.وقد سبق لنا الإشارة في المقال السابق إلى أن حكم التحكيم وفقاً للنظام الجديد يحوز حجية الأمر المقضي به ويكون واجب النفاذ، ولكن تنفيذ حكم التحكيم يتم بعد التأكد من عدم مخالفته لأحكام الشريعة الإسلامية أو النظام العام أو عدم تعارضه مع حكم صادر في المملكة العربية السعودية، علماً بأن المحكمة المختصة لا تنظر في طلب التنفيذ إلا بعد انتهاء مهلة رفع دعوى البطلان وهي (60) يوماً من قبل المنفذ ضده. وعلى الطرف المنفذ أن يقدم للمحكمة طلب تنفيذ الحكم مشتملاً على مجموعة من المستندات وفقاً لما نص عليه نظام التحكيم الجديد، وتتمثل في أصل الحكم أو صورة مصدقة منه، وصورة طبق الأصل من اتفاق التحكيم، وترجمة لحكم التحكيم إلى اللغة العربية مصدق عليها من جهة معتمدة إذا كان الحكم صادراً بلغة أخرى، إضافة إلى ما يدل على إيداع الحكم لدى المحكمة المختصة خلال (15) يوماً من صدوره. وقد ضربت المملكة مثالاً يحتذى به على الصعيد الدولي من خلال قبولها وتنفيذها لحكم التحكيم الصادر في القضية المعروفة بقضية «أوناسيس» Onassis بين أرامكو وحكومة المملكة، رغم صدور ذلك الحكم ضد المملكة إلا أنها أبدت احتراماً كاملاً لنصه ونفذت ما ورد فيه، وكان لهذه السياسة الحكيمة التي اتبعتها المملكة أبلغ الأثر في استقرار السياسة النفطية في المملكة نتيجة لوفائها بالتزاماتها القانونية بشكل كبير أدى إلى شيوع الاطمئنان والأمان بين المستثمرين المحليين والأجانب ونماء المصالح الاقتصادية للمملكة. وأخيراً، يمكن القول إن المملكة تتبنى سياسة العدل والإنصاف في المجال الدولي، ويتضح ذلك جلياً في مصادقة المملكة على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ومنها اتفاقية واشنطن لعام 1965م المتعلقة بتسوية منازعات الاستثمار، واتفاقية الرياض المعقودة مع دول جامعة الدول العربية في عام 1985م، ومعاهدة نيويورك لتنفيذ الأحكام التي صادقت عليها المملكة في عام 1994م.