د.مبارك الخالدي

عن مَطَريات مسلط بن عصمان

 السبت صباحاً، المطر يهمي بإصرار، قطراتٍ تنقر سطوح الأشياء وتخرجها من صمتها. يتسلل صوت النقرات إليك، في مرقدك الذي تطيل البقاء فيه احتماءً من البرد، وإرجاءً لمواجهة أشياء تتمنى أن تتلاشى فجأة.   قطرات المطر توقظ الذاكرة، تهز أغصانها الساكنة فتسقط في بؤرة وعيك صورة ت. إس. اليوت، وقصيدته "الأرض الخراب"، وابريل في مطلعها يمزج (الذكرى بالرغبة/ ويثير الجذور الخاملة بأمطار الربيع). ويظهر وجه بدر السياب، فلا تُفاجأ؛ اعتدت أن تهطل "أنشودة المطر" من الذاكرة كلما سقطت على الارض قطرة مطر، لينهمر عليك حزن السياب وشجنه، وصورالجوع في العراق.اعتدت أن تهطل "أنشودة المطر" من الذاكرة كلما سقطت على الأرض قطرة مطر، لينهمر عليك حزن السياب وشجنهلكن ما لم تتوقعه أن يأتي مسلط بن عصمان الخالدي قصائدَ تثير فيك (الذكرى والرغبة) في البر، كما حرّك فيه المطر الرغبة في تحرير نفسه من قيد البقاء في "الكمب"، وإذ لم يتحقق له ذلك لم يجد خياراً سوى السهر ليمسح "يخيل" بعيونه الآفاق بحثاً عن التماعات البرق، ليعرف على أي أرض سيهمي المطر: ساهرٍ طول ليلي سامرٍ واستخيله                 حرْوِتّه من عدَايّمْ زيد للسّاحريّةلا يختلف مطر بن عصمان عن مطر السيّاب فكلاهما يُفَتِّقان مكامن الحزن والشجن الذاتي، وإن اختلفت تجربتاهما ولغتا التعبير عنهما. "أنشد" ابن عصمان قصائده "المطرية" في لحظة زمنية حاسمة وهامة سواء في حياته الشخصية أم في حياة المجتمع القبلي الذي ينتمى اليه أو في المجتمع السعودي عموماً، وهي اللحظة القنطرة، أو المرحلة المقلقة والحرجة بين أنماط حياة رعوية وزراعية وبحرية آيلة للاختفاء او الضمور، وحياة جديدة بدأت تلوح آياتها وعلاماتها بُعَيْدَ اكتشاف النفط، وانخراط الكثيرين في العمل في مجاله. وكان مسلط بن عصمان منهم، وكان أن وجد نفسه مضطراً أو مجبراً على لبس السروال والعمل "كُولِيّاً" والعيش في "الكمب" المؤلف آنذاك من أكواخ "بَرَسْتِيَّه":لـبست ســروال طــربالٍ معَ جـُبّه                               غديت أنا "كُوليّنْ" من عرض "كُوليّه" لا طاح وبل الحَيَا بروض وإعْشَبّهخـلـو (.............) يقعد في بَرَسْتِيّه وكان المطر، أو البرق العلامة الدالة على هطول المطر (وبل الحيا)، المحفزين على تذكر الحياة الغاربة، واستمطار القريحة بقصائد تقطر باللوعة والحزن والرثاء لنمط حياة يموت تدريجياً، أو للتعبير عن الضجر والسأم من الحياة في المدر: ملّتْ العين من شوف الجبل والمداري                                مدْهلٍ علْ صبّابْ الحَيا مايِعلّههنا يلتقي ابن عصمان مع حمد العميني الخالدي في التعبير عن كره المكان "الكمب" بالدعوة أو تمني أن يصيبه المحل والجدب بانقطاع المطر عنه، حيث يتمنى العميني ألاّ تظلل السحب "الكمب": ومن القسا روسنا بيّنْ بها الشيبي                        من شوفة الكمب ياعل السحب ما جنّهْولأن الإقامة في "الكمب" أصبحت قدراً لا فكاك له منه، ليس لابن عصمان سوى مناجاة الريح والتمنى أن تحمله شمالاً حيث مرابع القبيلة:ليتني مع نسيمك ياهبوب الذواري...                         لانويتي شمال وجبتي اقصاك كلهيطلب أو يتمنى ان تحمله الريح وبأقصى سرعتها، حتى إذا ما لاحت علامات البداية لتلك الأمكنة، اعتراه التغير من الحزن والملل الى البهجة: ينعش القلب من شوف الجزاير                           مواري والردايف ليا شفتها مستقلة يقصد بـ"الجزاير" المْسَلِميَّة وجْنَّة، جزيرتيْ العماير من بني خالد. لكن ابن عصمان لم يبرح "الكمب" إلى المرابع التي وصفها بـ"مير هاذي منازلنا وتطري عليّه"، رغم أنه "مولع القلب" بالبداوة، وبقى بالكمب مثل زميله دهام "داله القلب" الذي سخر منه لأنه تأقلم مع الحياة الجديدة ونسي ديار أهله، وتقبل الإقامة مع دجاج المهندس:مولع القلب مثلي يالقلوب الهبيلة                                        داله الــقلب مثل دهــام لا واهَنِيّهدالهٍ لا يسيل أحدٍ ولا أحدٍ يسيله                                       مع دجاج المهندس ماذِكَرْ دار حيّه