سالم اليامي

خرائط الطريق

حول بلدان ما أصبح يعرف بالربيع العربي، كانت هناك نكتة سياسية ترددت في تونس عام 2011م فحواها: إن القيادات السياسية التي أسقطها طوفان الربيع العربي درست على يد نفس المعلم. بمعنى أن كثيرا من مشاهد الأحداث تكررت في تونس ومصر وليبيا واليمن، ولم يستفد الأخير منهم من تجربة الأول. واليوم وبعد هذه السنوات يحق للمراقب أن يتذكر نفس النكتة، لكن في سياق جديد ليقرر -بشئ من الثقة- أن الوجوه الجديدة التي جاءت لتدير العملية السياسية ودفة الحكم والسياسة في تلك البلدان هي أيضا ربما تتلمذت على يد نفس المعلم.لا أحد يعلم على وجه اليقين متى ستأتي مرحلة العمل والتنفيذ ومتى ستنعم هذه البلدان بالأمن والرخاء والاستقرار؟  فكرة خارطة الطريق في العالم ربما تعني أسلوبا لحل مشكلة معينة عبر مراحل وخطوات محددة، لدينا في بلدان العالم العربي تعني حالة من التعايش مع الأزمات حتى تصبح تلك واقعا معاشابمعنى أن هناك عناصر متشابهة في تجربة البلدان الجديدة يميزها جميعا أن الطموح العالي في المعلن والمخطط له، وفي نفس الوقت الواقع المؤلم والتقدم البطيء لجميع عمليات الدولة والمجتمع. أحد المظاهر النظرية التي تكررت في المشهد العام العربي في السنوات الأخيرة وأن كل شيء في تلك الدول يحتاج إلى خارطة طريق، ليصبح واقعا يوما ما. ففي الجمهورية التونسية وبعد حدوث عملية توافق بين مكونات المجتمع السياسية التونسية وصلت الأمور -كما يعرف البعض- إلى طريق مسدود أبرزه غضب الشارع من الحزب الحاكم والقوى المتحالفة له برز على الساحة «الاتحاد العام التونسي للشغل» كمكون مقبول لإدارة الحوار بين المعارضة والحكومة عبر ما عرف بتنفيذ خارطة طريق تتمحور حول استقالة حكومة النهضة في المحصلة النهائية كحل للمعضلة التي تمر بها البلاد التونسية المتمثلة في الاغتيالات السياسية والمواجهات المسلحة مع مجموعات تونسية لها العديد من الأوصاف. في البلاد المصرية كان هناك إعلان واضح في 30 يوليو 2013م  لـ «خارطة المستقبل» كما سماها القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي تقوم في جوهرها على عزل الرئيس مرسي، وتعطيل العمل بالدستور، وتعيين شخصية قضائية دستورية رئيساً للبلاد المصرية. ويعرف الجميع أن هذه الخارطة التي فيها الكثير من الطموح للمستقبل تتعثر والمشهد العام للحالة السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد المصرية مازال ينذر بكثير من الخطر. البلاد السورية والأزمة المتصاعدة فيها شهدت على خلاف البلدان الأخرى مولد خارطتي طريق، الأولى: أعلنت عن طريق الولايات المتحدة الأمريكية ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية وتضمنت تجهيز شحن أمريكية خاصة تعمل بما يسمى نظام التحليل المائي تقوم بتدمير الأسلحة الكيميائية السورية دون أن تلوث البيئة البحرية. ويستمر تنفيذ هذه الخارطة الدولية حوالي ثلاثة أشهر، حيث يتوقع أن يتم تدمير1290 طنا من الأسلحة والمواد الكيماوية للنظام. على الجانب الآخر -وفيما يخص الوضع في سوريا- صدرت خارطة طريق ثانية من جانب المعارضة وصفها مراقبون بأنها رد من الجسم العام للمعارضة السورية في الخارج على مقولات النظام وبعض الأطراف الدولية بأن المعارضة لا تملك موقفا موحدا ولا رؤية للمستقبل في حال سقوط النظام. المعارضة سمت خارطته للطريق المستقبلي في سوريا بـ «خارطة التحول الديمقراطي في سوريا» وتميز هذا العمل بطابع بحثي وبعد أكاديمي يسعى لإصلاح كافة جوانب الحياة في سوريا بعد رحيل النظام، ويقوم على ركائز أهمها الخيار الديمقراطي والنظام البرلماني ووحدة الشعب السوري دون تمييز. كلها في رأيي أبعاد جميلة ومنطلقات رائعة متى وجدت طريقها للتطبيق في الواقع فقط. في البلاد اليمنية لديهم أيضا خارطة طريق أفرزتها الحاجة الماسة للخروج بالبلاد من مأزق وصول الحوار بين الفرقاء اليمنيين إلى مناطق مظلمة ما حدا بمجموعة الدول الراعية للمبادرة الخليجية في اليمن اقتراح خارطة طريق للمرحلة الانتقالية تكون برعاية دولية مهمتها الوصول إلى حلول ناجعة حول مسألة شكل الدولة الجديدة في اليمن، وعدد الأقاليم فيها والتوافق بين اليمينيين على نقاط الخلاف التي لم ينجح الحوار العام بينهم في حلها. بصيغة أخرى الجوهري والمهم في اليمن لا يزال قابلا للبحث والدراسة، ولم يتم البت فيه. في البلاد الليبية وعشية ذكرى الاستقلال 24 ديسمبر 3013 أعلن المؤتمر الوطني الليبي العام «البرلمان» عن خارطة طريق مبدئية تنص على أن نهاية ولاية المؤتمر تكون في 24ديسمبر 2014م. هذا الإعلان أثار -ولا يزال يثير- قطاعا كبيرا من الشارع الليبي الذي يرفض التمديد للمؤتمر، وفي نفس الوقت يطالب بإسقاط الحكومة الانتقالية المؤقتة، حكومة الدكتور على زيدان. يقول حكماء: من الأفضل للشعب الليبي قبول التمديد لولاية المؤتمر أو التجديد كما قال البعض، مع إمكانية الوصول لحل فيما يتعلق بإسقاط الحكومة المؤقتة كثمن لذلك التجديد،لان عدم التجديد أو الاعتداء على رموز المؤتمر يعني انهيار الشرعية السياسية في البلاد. خارطة الطريق الليبية مازالت وليدة والتحدي المصاحب لها وأيضا المبادرات البديلة أخذت تتولى من أطراف سياسية ليبية أخرى، لكن الحقيقة المؤكدة أن الكل يخطط ويعلن ويقترح، لكن لا أحد يعلم على وجه اليقين متى ستأتي مرحلة العمل والتنفيذ ومتى ستنعم هذه البلدان بالأمن والرخاء والاستقرار؟ فكرة خارطة الطريق في العالم ربما تعني أسلوبا لحل مشكلة معينة عبر مراحل وخطوات محددة، لدينا في بلدان العالم العربي تعني حالة من التعايش مع الأزمات حتى تصبح تلك واقعا معاشا. ولعل لفظ خارطة الطريق في الذاكرة السياسية العربية لا يحفل بكثير من الذكريات الجيدة، إذ ارتبط المصطلح منذ تداوله بشكل سياسي وإعلامي في المنطقة بالقضية الفلسطينية عبر خارطة الطريق التي اقترحتها الولايات المتحدة الأمريكية لحل نهائي وعادل للخلاف الفلسطيني الإسرائيلي بما يضمن إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة خلال العام 2005م، ومرت سنوات عجاف ولم يتغير في المنطقة شيء. رأي متشائم يردده البعض حول الوضع العام ومستقبل الانسان في تلك البلدان، وهو شدة التخوف من أن يأتي وقت لا تقام فيه مدرسة ابتدائية، ولا يعبد طريق محلي لخدمة الناس وتسهيل حياتهم إلا بخارطة طريق.