مؤتمر جنيف-2 والاستحقاقات السياسية
أعلنت الأمم المتحدة، يوم الثلاثاء الماضي، على لسان متحدثها الرسمي، أن الأمين العام بان كي مون بدأ توجيه الدعوات لحضور مؤتمر السلام حول سوريا، المقرر في 22 يناير الجاري، في إحدى المدن السويسرية، وسوف يجتمع الوزيران الأمريكي والروسي في 13 من الشهر الحالي؛ لوضع اللمسات الأخيرة على التحضيرات الجارية، واتخاذ القرار بشأن مشاركة إيران من عدمها في المؤتمر. حيث لا يزال التباين بهذا الشأن قائما بينهما، فروسيا ترى وجوب مشاركة إيران، فيما ترى واشنطن دوراً ما قد تلعبه إيران في حل المسألة السورية، إلا أنها تشترط موافقة طهران على مقررات مؤتمر (جنيف1). إلا أن السؤال المهم هو: بعد ثلاث سنوات من الصراع الدموي الذي يقوده هذا النظام المجرم الفاقد للشرعية، والذي ولد آلاف القتلى واللاجئين، هل سينجح هذا المؤتمر في إيجاد صيغة تسوية للأزمة السورية؟الأزمة السورية اصبحت ورقة ضغط تستخدمها كل من روسيا وأمريكا في تعزيز مصالح معينة. ولم تكن صفقة الاسلحة الكيماوية التي اختزلت الثورة السورية والقتل المستمر في تداعيات جريمة استخدام الأسلحة الكيماوية التي يستخدمها هذا النظام لإدامة الصراع والترويع ضد هذا الشعب إلا دليلا على هذامن قراءتي لمسار الأزمة السورية، ومسار التفاوض، أشك في أن هذا المؤتمر سيصل إلى تسوية سياسية حقيقية. هناك أربع قضايا رئيسية كفيلة في تحديد مسار نجاح هذا المؤتمر من عدمه: القضية الأولى: وقف إطلاق النار، وهي قضية هامة وجوهرية. ففي ظل انشغال العالم بموضوع الأسلحة الكيماوية، ما زال هذا النظام يبطش بالناس بالاسلحة التقليدية، التي كان اخرها استخدام هذا النظام المجرم البراميل المتفجرة التي أدت إلى مجزرة حلب على مرأى ومسمع من العالم، والتي تنضم الى سلسلة مجازر، كمجزرة الحولة بحمص وفي التريمسة بحماه، وفي حلب، وبانياس وغيرها، حيث حصدت المئات من المدنيين من أطفال ونساء. فهذا العدوان والقتل المستمر بالوسائل العسكرية التقليدية وغير التقليدية -التي ما زال يتعرض لها الشعب السوري-، الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء في الاجرام وانتهاك حقوق الإنسان، عامل مهم في تحديد جدوى المؤتمر، فإنجاح أي مؤتمر لا بد أن يسبقه وقف إطلاق النار. القضية الثانية: الموقف الايراني، ففي ظل ترحيب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بدور إيراني ايجابي على هامش مؤتمرجنيف 2، فإيران كانت وما تزال جزءا من الأزمة في سوريا. فالتدخل الايراني لم يعد سرا، وإنما اصبح واضحا وضوح الشمس. فقد أعلن هذا صراحة محمد علي جعفري قائد الحرس الثوري الإيراني، حيث قال: إن قوات «فيلق القدس» التي تقوم بتنفيذ العمليات العسكرية والسرية خارج إيران موجودة في سوريا. فطهران متورطة بدور سلبي في الأزمة السورية من خلال دعم النظام السوري بالأسلحة والدعم اللوجستي المباشر. فمقاتلو الحرس الثوري ومليشيات حزب الله والمليشيات الطائفية العراقية المنضوية تحت ما يسمى بـ(لواء ابو الفضل العباسي)، كلهم في سوريا لقتل الشعب السوري ودعم النظام. فمالم تخرج ايران من سوريا وتضعط على حليفها نظام الرئيس السوري بشار الأسد إلى وقف قصف المدنيين وتحسين وصول المساعدات الإنسانية، فان هذا المؤتمر سوف يفشل في ظل ترهل المجتمع الدولي من التدخل العسكري المباشر، ووقف المجازر التي يقوم بها هذا النظام الفاقد للشرعية. القضية الثالثة: وهي موقف روسيا الداعم للنظام السوري، فالأزمة السورية اصبحت ورقة ضغط تستخدمها كل من روسيا وأمريكا في تعزيز مصالح معينة. ولم تكن صفقة الاسلحة الكيماوية التي اختزلت الثورة السورية والقتل المستمر في تداعيات جريمة استخدام الأسلحة الكيماوية التي يستخدمها هذا النظام لإدامة الصراع والترويع ضد هذا الشعب إلا دليلا على هذا. فالولايات المتحدة لا تريد التورط في الأزمة السورية أو اي أزمة في الشرق الأوسط، رغم قوتها على الصعيد الدولي وذلك في سبيل إعادة إنتاج دورها الاستراتيجي، بالتركيز على منطقة اسيا والمحيط الهادي. وفي ظل هذا الانكفاء الامريكي عن منطقة الشرق الاوسط، تريد روسيا اعادة دورها ونفوذها السياسي في منطقة الشرق الأوسط، والتي فقدتها إبان انهيار الاتحاد السوفيتي. وبالتالي في ظل هذه المتغيرات والمستجدات الدولية والإقليمية، مالم يصل الطرفان الى توافق حول ملفات الشرق الأوسط، فإن هذا سوف يطيل أمد الأزمة. القضية الرابعة والأخيرة: تكمن في موضوع المعارضة، ومدى قدرتها على التماسك، وإنهاء حالة الانقسامات، فحالة الفوضى السياسية التي تميز المعارضة السورية وإخفاقها في تنظيم صفوفها، سيكون عاملا مهما في تحديد أي تقدم في مؤتمر جنيف. فاجتماع اسطنبول الاخير كان مؤشرا واضحا لمدى التخلخل والترهل لدى المعارضة وعدم قدرتها إلى الوصول إلى صيغة توافق بين أعضائها. فبعد ان اختتم «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» اجتماعات هيئته العامة، فشل في التوصل الى حل لمسألة انسحاب 43 من أعضائه؛ احتجاجا على المشاركة في مؤتمر جنيف2. فتقرير حضور محادثات جنيف من عدمه؛ يعطي مؤشرا في تحديد نجاح هذا المؤتمر من عدمه.