سوريا: ذاكرة الجسد
كنت أشاهد ليلة البارحة كيف طوى العالم سنة 2013 بكل أحداثها باحتفالات ضخمة استمرت حتى الفجر. وقد نقلت لنا شاشة التلفزيون احتفالات دول العالم من أقصاها شرقاً إلى أبعدها غرباً بداية من أوكلاند (نيوزيلندا) مرورا بسيدني في أستراليا ولندن وباريس وموسكو وساحة تايمز سكوير في نيويورك وانتهاء بدبي التي سهرت بنا حتى الصباح في ليلة «مضيئة» تزينت فيها سماؤها بالألعاب النارية وارتدت أحلى الحلل، لتبدو الأجمل والأكمل. إن هذا القتل الممنهج والتدمير العشوائي والابادة الجماعية المستمرة بالوسائل العسكرية التقليدية وغير التقليدية الذي يتعرض له اخوتنا في سوريا طوال السنوات الثلاث منذ بدء الثورة، أقل ما يمكن أن يوصف به هو كابوس مخيف وجحيم ومأساة إنسانية تجاوزت كل الخطوط الحمراء في الإجرام وانتهاك حقوق الإنسان إلا أن الأمر اللافت وسط هذه الاحتفالات كانت سوريا، تلك المرأة الحزينة الحالمة بفرج محفوف بلطفه، أبى هذا النظام المجرم الفاقد للشرعية أن تنقضي سنتها دون أن يضيف الى سفره الدموي مجزرة جديدة في حي طريق الباب في حلب على مرأى ومسمع من العالم على غرار ما حدث في مجزرة الحولة بحمص وفي التريمسة بحماة، وفي حلب، وبانياس وغيرهما. هذا السفر الذي أصبحت تفوح من صفحاته رائحة الدم والبارود ومعجونة حروفه بدموع الثكالى وصراخ الاطفال. لست أدري فهذا النظام لم يترك مدينة إلا أتخمها بالمجازر، وأثخن ساكنيها بالجراح النازفة من حلب الى السويداء ومن دير الزور الى حماة، فلم تعد تسمع في تلك المدن إلا حداء الحزن والتعب واليأس. فدمشق تلك الأرملة الحسناء التي لم يزدها العمر بمبانيها القديمة وأزقتها الضيقة إلا روعة وجمالا قال فيها نزار قباني:فرشت فوق ثراك الطاهر الهدبا.... فيا دمشق لماذا نبدأ العتبا؟ حبيبتي أنت فاستلقي كأغنية .... على ذراعي ولا تستوضحي السببا ويقول أيضا في قصيدته الدمشقية: هذي دمشقُ.. وهذي الكأسُ والرّاحُ إنّي أحبُّ.. وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُهذه المدينة الموحية بتاريخ عريق قد طاف عليها هذا النظام المجرم بدباباته وصواريخه ومدرعاته فأصبحت كالصريم، وخشعت فيها الأصوات فلم تعد تسمع سوى مآذنها وهي تصرخ وتبكي تعانق شهداءها وتحتضن أطفالها. أما حلب -أجمل وأقدم المدن التاريخية في المشرق العربي- فتحولت الى برك من الدماء لجثث وأشلاء. لقد تحولت كل سوريا بمدنها وقراها ومقاهيها وشوارعها الى كومة من الدمار والخراب لا يمكن اعادة بنائها لعقود من الزمن. ها هي تمر علينا السنة الثالثة منذ انطلاق ثورة الحرية والكرامة في سوريا، ولا يزال الدم السوري ينزف ملطخا ثوب النظام المجرم الذي أصبح لا يستطيع الكلام. ففيه أصبح مليئا بالدم المتخثر بعد ان مزق ذاكرة الفرح والسعادة والطمأنينة. فحتى لو انتهت فصول الاجرام والارهاب الأسدي الذي تعرض له اخوتنا في سوريا فان تفاصيلها ستظل عالقة في ذاكرة أبنائها. وستظل صور الشباب والنساء الأبرياء الذين خروا صرعى في الحولة بحمص والتريمسة بحماة وبانياس وغيرهما بصواريخ النظام وقذائفه ورصاص قناصته عالقة في ذاكرة أهليهم. ستظل صور الأطفال الذين اصطفت جثثهم الغضة بالعشرات وهم لم يتجاوزوا الأشهر بعد ان نحروا بالسكاكين والحراب عالقة في ذاكرة العالم، متسائلين: بأي ذنب قتلوا أو بأي ذنب نحروا؟وأخيرا ان هذا القتل الممنهج والتدمير العشوائي والابادة الجماعية المستمرة بالوسائل العسكرية التقليدية وغير التقليدية الذي يتعرض له اخوتنا في سوريا طوال السنوات الثلاث منذ بدء الثورة، أقل ما يمكن ان يوصف به هو كابوس مخيف وجحيم ومأساة إنسانية تجاوزت كل الخطوط الحمراء في الاجرام، وانتهاك حقوق الإنسان.فهذا النظام الفاقد للشرعية والمتجرد من كل القيم الأخلاقية والسلوك الإنساني، لم يتورع قط من خلال المليشيات الموالية له المعروفة بالشبيحة مدعومة بالمرتزقة بدعم غير محدود وبالسلاح الروسي في قتل آلاف الأطفال والنساء والرجال بكل وحشية وإجرام، وتهجير الملايين من منازلهم وقراهم التي دمر معظمها على رؤوس أصحابها،متجاوزا بذلك كل الأعراف الدولية والإنسانية. فهذا النظام المجرم استخدم سياسة الأرض المحروقة وشن حرب إبادة جماعية ضد شعبه في سبيل إصراره على التمسك بالبقاء في الحكم والسلطة. إن هذا الواقع المأساوي وسياسة التسويف والمماطلة لحل الأزمة الدموية، يتطلب منا جميعا -شعوبا وحكومات ومؤسسات رسمية ومدنية ومنظمات دولية- مضاعفة الجهود لنصرة هذا الشعب الأعزل في محنته ودعم كل الإجراءات الدولية، التي تتخذ لردع هذا النظام المجرم الفاقد للشرعية عما يقوم به من مجازر وحشية وإبادة جماعية ضد شعبه.