د.مبارك الخالدي

كبارٍ تنهار .. وأخرى تنتظر

كنت في السيارة في طريقي إلى الجامعة، وكنت أنصت إلى محطة الراديو المحلية في مدينة كولمبس في ولاية أهايو. كان يوما مختلفاً عن الأيام التي سبقته لأن الطريق الذي اسلكه إلى الجامعة طرأ عليه بعض التغيير، إذ كنت، كغيري، مضطراً إلى اتباع التحويلات التي عبثت في الطريق بسبب مشروع توسعة وتغيير بعض المسارات. حتى هذه اللحظة والأمر عادي جداً من وجهة نظري. لكنه بدأ في التجرد من رداء عاديته عندما شرع المذيع في القول إن هذا المشروع أُعِدّ وخُطِطَ له من قبل عشرين سنة. يعني أن الجهات المسئولة كانت قد قررت أنه في اليوم الفلاني، من الشهر الفلاني، من العام الفلاني، يجب القيام بهذه التوسعة وتغيير بعض المسارات في الشوارع..إلخ.التخطيط والاستشراف والتعاون والتنسيق بين الجهات ذات العلاقة، هو ما أخر إدراك أن مدينة كالدمام تنمو ديموغرافياً يوماً بعد يوم، وأن شبكة الشوارع فيها لا تتسع للمركبات التي تزداد يوماً بعد يوم تبعا لازدياد عدد سكانها المقيمين فيها أو الوافدين إليها       أكذب لو قلت انني لم أتعجب. وأكذب لو قلت إنني لم أنتقل ذهنياً ونفسيا وذاكرةً إلى هنا، ويشتغل ذهني في عقد المقارنة بين ما يجري هناك وهنا، حيث أتحدى أن يستطيع أي مسئول كبير أو صغير في النقل والمواصلات أو في أي أمانة من الأمانات أن يظهر إلى الناس تلفزيونيا ًأو صوتياً في الإذاعة ليخبرهم بان التحويلات والإغلاقات التي تتعرض لها بعض الشوارع في أي مدينة من مدننا قد تم التخطيط لها  قبل عشر سنوات أو حتى قبل خمس سنوات أو سنتين، أو على الأقل أن يزود وسائل الإعلام بالأخبار عن التحويلات والاغلاقات في الشوارع قبل تنفيذها ليتمكن المواطنون من التفكير في أخذ مسارات مختلفة إلى العمل أو الأسواق أو إلى أي مكان آخر.        لن يفكر المسئول في الظهور أو في اخبار المواطنين بأي طريقة من الطرق للاتصال والتواصل مع المواطنين، لأنه لا يعتقد أن من واجبه أن يفعل ذلك، أو أن المواطن له الحق في أن يعرف عن أي تغيير مهما كان بسيطا  في أصغر وأقصر شارع يسلكه في مشاويره اليومية. وإن حدث أن قام مسئول بالإخبار بأي شيء من هذا القبيل، فان فعله يمثل الشذوذ عن القاعدة وليس القاعدة.           أما فيما يتعلق بـ(الحوسة) في الشوارع من تحويلات وإغلاقات شوارع في مدننا، فان أي مسئول لن تواتيه الجرأة والشجاعة على القول بأن الحوسات المتتابعة وشبه الدائمة قد خطط لها من قبل عقدين أو حتى عقد من السنوات، لن يجرؤ لأن وجود الحوسات دليل على غياب التخطيط، والحس التنبؤي والاستشرافي، مع أن الأمر لا علاقة له بالتنبؤ بل بالتخطيط من البداية إلى النهاية.          غياب التخطيط والاستشراف والتعاون والتنسيق بين الجهات ذات العلاقة، هو ما أخر إدراك أن مدينة كالدمام تنمو ديموغرافياً يوماً بعد يوم وأن شبكة الشوارع فيها لا تتسع للمركبات التي تزداد يوماً بعد يوم تبعا لازدياد عدد سكانها المقيمين فيها أو الوافدين إليها، وانها بالتالي في حاجة إلى شبكة شوارع وطرق تستوعب هذه الاعداد، وانها بحاجة إلى عدد كاف من الأنفاق والكباري من أجل سهولة وسرعة وانسيابية حركة المرور فيها، ما يحدث فيها الآن هو من نوع المشاريع الترقيعية الجراحية ذات البعد العلاجي المؤقت، وليس العلاج طويل الأمد.          يصل بي هذا الكلام إلى الكباري وانهياراتها، مثل انهيار احد الكباري في منطقة الرياض خلال الأيام التي شهدت هطول المطر الغزير عليها. من خطط وأشرف على تنفيذ مشروعه لم يدر في خلده احتمال تعرض المنطقة لكمية من الأمطار قد تجرف حتى الاشجار والأحجار. كان في منتهى الطمأنينة وفي حالة من تعطل الخيال بشكل كامل. والسؤال: ما أسباب آخر الانهيارات، والذي حدث للكوبري على طريق الرياض-الدمام. كم كوبري ينتظر أن يتهاوى منهارا.