د. ابراهيم العثيمين

المعجزة الهندية وتحولات النظام الدولي

يشهد النظام العالمي تغيّرات هيكلية عميقة، ومن أهم معالم هذا التغير هو انتقال حقيقي وملموس لمقادير القوة الاقتصادية من الدول الصناعية المتقدمة إلى القوى الآسيوية الصاعدة. فبينما لم يكن يتجاوز مجمل الناتج القومي للدول الآسيوية في الستينيات 7.8% من مجمل الانتاج العالمي، أصبح في عام 2013م يفوق 21.5%، ويتوقع له أن يرتفع إلى 31.6% عام 2020م. كان صعود الهند في قلب هذه الانطلاقة الاقتصادية لآسيا.. فمنذ عام 2003 وحتى الآن دخل الاقتصاد الهندي إلى درب النمو السريع، وتزايد الاندماج الاقتصادي الهندي في الاقتصاد العالمي على نحو قوي. فبينما لم يكن يتجاوز نصيب الهند من إجمالي الناتج العالمي الا 2% في عام 1980 صعد إلى 7.6% في عام 2003، ومن المتوقع أن يصل إلى 16.9% من إجمالي الناتج العالمي بحلول عام 2015. وقد استمر نمو الاقتصاد الهندي رغم الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم سنة 2008، فوفقا لتقرير أصدرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في 30 مايو 2013 «بأن الهند قد تفوقت على اليابان، وأصبحت تمتلك ثالث أكبر اقتصاد بعد الولايات المتحدة والصين من حيث القوة الشرائية». ويتوقع تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنه بحلول ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين سوف تبلغ قيمة إجمالي الناتج المحلي لدول رابطة «بريكس» (البرازيل وروسيا والهند وإندونيسيا والصين وجنوب إفريقيا) ما يعادل تقريباً إجمالي الناتج المحلي لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (حسب عضويتها الحالية)، وذلك مقارنة بقيمته الحالية التي تبلغ نصف قيمة إجمالي الناتج المحلي للمنظمة حالياً. وعليه، تعد الهند مساهما ديناميكيا في الاقتصاد العالمي، واستمرارها في الصعود يمكن أن يمثل تغيرا كبيرا في طبيعة النظام الدولي واشارة إلى عالم متعدد الأقطاب.ستظل الهند تعتمد بما لا يقل عن 70% من احتياجاتها من النفط الخام من الخليج العربي وذلك  لسد حاجتها النامية. ومثل هذا الاحتياج الاستراتيجي يجب ألا يقتصر على المجال الاقتصادي فحسب مع دولة أصبحت لاعبا اقتصاديا مهما على الساحة العالمية، بل يجب أن يمتد ليشمل الجوانب السياسية بما يخدم مصالح الطرفينخلق هذا النمو الاقتصادي المستمر لآسيا ارتفاع الطلب على الطاقة. فاستهلاك آسيا من النفط يشكل 30% من حجم النفط المنتج عالمياً. وجاءت الهند كرابع أكبر مستهلك للطاقة في العالم في سنة 2011 بعد الولايات المتحدة والصين وروسيا.. فقد تضاعف استهلاك الهند للطاقة بشكل كبير بين سنوات 1990 و2011. فقد زاد استيراد الهند من النفط الخام من 40% من احتياجاتها سنة 1990 إلى 70%  سنة 2011، وتم استيراد نحو 64 في المائة منه من الخليج والشرق الأوسط في 2012. وتقول التقديرات: إنه بمجئ سنة 2032 ستستورد الهند نحو 91 من احتياجاتها من الطاقة من الخارج، وسيكون جزء كبير منها من الخليج والشرق الأوسط.  وفقا لتقرير وكالة الطاقة الدولية «سيناريو تحول موازين الاستهلاك العام من الطاقة من غرب الأطلنطي في الولايات المتحدة الأمريكية والصين إلى الهند والشرق الأوسط» يرى أن مركز ثقل الطلب على الطاقة يتحول بشكل كبير نحو الاقتصادات الناشئة، وبشكل خاص نحو الصين والهند، اللتين تقودان الارتفاع في استخدام الطاقة بمعدل الثلث. فيشير فرانسيسكو كينتانا، كبير الاقتصاديين في شركة «آسيا للاستثمار» بأن «الولايات المتحدة، أكبر مستورد للنفط في العالم، تتجه نحو الاكتفاء الذاتي من مواردها الطبيعية للطاقة مع تطويرها لتكنولوجيا وعمليات استخراج النفط والغاز الصخري»، ولفت إلى أن «أثر هذه الخطوة يظهر في حجم تصدير النفط من الخليج إلى الولايات المتحدة، التي كانت تستورد بين 20 و25 في المئة من إجمالي حجم النفط السعودي منذ 10 سنوات، لتتراجع النسبة إلى أقل من 13.5 في المئة». وفي سيناريو السياسات الجديدة، «السيناريو المحوري للوكالة الدولية للطاقة 2013» يتوقع أن تصبح الصين والهند أكبر الدول المستوردة للطاقة اوائل عام 2020. وأوضح فاتيح بيرول، كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية، «أن النمو في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وتعويض النقص في الطاقة الذي ستستشعره منطقتا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لن يعوضه إلا النفط الخليجي، وهي المنطقة الوحيدة التي لم تصل آبارها إلى أعلى معدلات الإنتاج إلى الآن».  وعليه، فان هذه التغيّرات تبرز الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج العربي، حيث ستظل الهند تعتمد بما لا يقل عن 70% من احتياجاتها من النفط الخام من الخليج العربي، وذلك لسد حاجتها النامية. ومثل هذا الاحتياج الاستراتيجي يجب ألا يقتصر على المجال الاقتصادي فحسب مع دولة أصبحت لاعبا اقتصاديا مهما على الساحة العالمية، بل يجب أن يمتد ليشمل الجوانب السياسية بما يخدم مصالح الطرفين. فهناك مجموعة من القضايا الجوهرية التي تشكل أولويات يمكن للعلاقات الخليجية - الهندية أن تستند عليها في جانبها السياسي والأمني مثل قضايا الأمن والطاقة.