الأبله المفيد ..
تطلق صفة «الأبله المفيد» على من يتعاطف مع قضية ما دون أن يعي أهدافها. وهو تعبير من بقايا الحرب الباردة بين المعسكرين. واللافت في هذا الشأن أن الصفة أطلقت من قبل قادة القضية أنفسهم على المتعاطفين مع قضيتهم. أي أن التسمية ليست من اختراع الخصوم بل الأصدقاء. في العهد الستاليني، على سبيل المثال، أطلقت هذه الصفة على كتاب غربيين لامعين كان لهم دور بارز في نشر الوعي، وخدمة الفن والأدب والثقافة والفكر، كما ساهموا في تقدم مجتمعاتهم. ومن المؤكد أنهم ليسوا بلهاء، بل أذكياء ومبدعين، وأذكى ممن أطلق عليهم تلك الصفة، أي أنهم أكثر نباهة وفطنة وإبداعا من أصحاب القضية أنفسهم، والساسة بشكل خاص.ليس كالوعي حصانة تحمي الفرد من الانزلاق إلى ذلك المنحدر الخطير. أما كيف يتشكل أو يصنع ذلك الوعي، فهو محل اختلاف كبير، ومسألة فيها قولان وأكثر، فما يراه (س) طوق نجاة، يراه (ص) سببا من أسباب الغرق. لذلك يحق لنا أن نسأل من يتحدث لنا عن الوعي والثقافة، عن أي وعي يتحدث، وإلى أية ثقافة يشير؟تغيرت الأحوال والظروف التي أنتجت هذه التسمية بانتهاء الحرب الباردة، فهل غاب «الأبله المفيد» عن مسرح الأحداث الراهنة؟ لا أظن. ففي حاضرنا الموبوء بالصراعات والمبتلى بالعنف، يوجد «الأبله» وله من هذه التسمية نصيب كبير. فهو، في أيامنا هذه، ليس مثقفا أو مفكرا أو كاتبا أو فنانا، بل شخصا أميا أو شبه أمي يعيش على هامش الهامش. ومن المرجح أن يكون فاشلا في دراسته. أبله هذه الأيام مجرد حجر أو بيدق على رقعة الشطرنج يحركه اللاعبون كيفما شاءوا. فهو منفصل عن الواقع، وتبدو المصحة العقلية أنسب مكان له بعد أن خضع لعملية «غسيل دماغ»، أو بتعبير أصح « حَشْو دماغ». كان هذا النموذج، ومازال، ضحية وَهْم لا يراه مصدرا للشر والخراب، بل يرى ذلك الوهم ضرورة لإنقاذ العالم من مآزقه. وهو، إضافة إلى ذلك، أصم لا يسمع، وأعمى لا يرى جمال الحياة أو بهاء الكون. يقول فلاديمير بارتول مؤلف رواية (الموت) على لسان أحد شخوص روايته: «ماذا يهم الأعمى إن أحاطته ألوان حديقة غناء، والأصم إن صدح حوله تغريد العندليب، وأما الأحمق فيسخر بدوره من حِكَم العالم كلها». يقال: الغوغاء في الشارع واللاعبون بين الجدران. نعم، اللاعبون وأولادهم ومن يعز عليهم بين الجدران دائما، وأما الأبله المفيد؛ سريع الانفعال والاشتعال، فهو وقود المحرقة ونائب الفاعل، وهو الأداة الطيعة في يد محترفي صناعة الموت، والصيد السهل للاعبين وراء الجدران، أولئك الذين يحركون الدمى من مكان خفي. ويقال، كذلك، ليس كالوعي حصانة تحمي الفرد من الانزلاق إلى ذلك المنحدر الخطير. أما كيف يتشكل أو يصنع ذلك الوعي، فهو محل اختلاف كبير، ومسألة فيها قولان وأكثر، فما يراه (س) طوق نجاة، يراه (ص) سببا من أسباب الغرق. لذلك يحق لنا أن نسأل من يتحدث لنا عن الوعي والثقافة، عن أي وعي يتحدث، وإلى أية ثقافة يشير؟ عن الوعي الحاضر المتفاعل والفاعل، والثقافة المرتبطة بزمانها والمواكبة لمستجدات عصرها، أم عن الثقافة المتجهة إلى وراء الوراء؟. لعل من المفارقات الغريبة أن يُسمَّى العاملُ الذي أنتج كلَّ تلك المآزق التي أحدقت بالمجتمعات العربية، خلال العقود الثلاثة الماضية، وعياً أو يقظةً ، فهل هذا شكل من أشكال ما يسميه فقهاء اللغة العربية، بـ (القلب) حيث يُسمَّى الأعمى بصيرا، والمصابُ بأنفلونزا الخنازير سليماً، وصاحبُ الإخفاقات المتتالية موفَّقاً، وحيث يقال: «أصحاب العقول في راحة» ويقصدون بذلك المجانين.. ربما.