سياسة الإغراق
ساهمت العولمة في تكوين نظام اقتصادي جديد، أدى إلى التحول إلى نظام الأسواق الحرة القائم على تفاعل قوى العرض والطلب في تحديد الأسعار، إضافة إلى تحرير حركة التجارة بين الدول، وقد ترتب على ذلك ظهور بعض الممارسات المشوهة للتجارة، كنتيجة طبيعية لفتح الأسواق الحرة ومن هذه الممارسات ظاهرة الإغراق.وعلى الرغم من أن المملكة لم تصدر حتى تاريخه نظاماً للإغراق، إلا أنها قد وافقت على القانون (النظام) الموحد لمكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والوقائية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/30 وتاريخ 17/5/1427هـ، والذي عرف الإغراق بأنه: "تصدير منتج ما إلى دول المجلس بسعر تصدير أقل من قيمته العادية للمنتج المشابه في بلد التصدير في مجرى التجارة العادية".وبمعنى آخر، فإن الإغراق يكون عند تصدير المنتج بسعر يقل عن قيمته العادية، وذلك بالاعتماد على السعر واجب الدفع عند بيعه من الدولة المصدرة إلى السوق المحلي.ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن للإغراق أركاناً يجب توافرها لقيام حالة الإغراق، بما في ذلك صدور فعل من شأنه أن يحدث فرقاً بين سعر التصدير والقيمة العادية للمنتج، حين يوجه للاستهلاك في بلد التصدير (هامش الإغراق)، كما يجب أن يقع ضرر حقيقي أو من المحتمل وقوعه في حال عدم اتخاذ التدابير اللازمة، وأخيراً يجب توافر علاقة السببية بين هامش الإغراق والضرر، وتخلف أي ركن من الأركان آنفة الذكر يؤدي إلى الإنهاء الفوري للتحقيق في حالة الإغراق دون فرض أية تدابير.وتتم عملية التحقيق والإثبات في حالات الإغراق في دول مجلس التعاون، من خلال تقديم شكوى إلى مكتب الأمانة الفنية لمكافحة الممارسات الضارة في التجارة الدولية لدول مجلس التعاون، الذي يقوم بدوره بدراسة الشكوى وتقرير قبولها من عدمه، وفي حالة قبول الشكوى يصدر قرارا ببدء التحقيق والإعلان عنه في الجريدة الرسمية، ويقوم فريق التحقيق بعملية البحث والتقصي وجمع الأدلة إلى أن يصدر قراراً بإتخاذ تدابير معينة أو الإنهاء الفوري للتحقيق في الحالات الآتية: (1) سحب الشكوى، (2) عدم كفاية الأدلة، (3) إذا توصل فريق التحقيق أن هامش الإغراق يسير أي أقل من (2%) من سعر التصدير، (4) إذا تم التوصل إلى أن حجم الواردات المغرقة من دولة معينة يمكن تجاهلها أي أنها أقل من (3%) من إجمالي واردات المنتج محل التحقيق إلى السوق الخليجية، ما لم تكن الواردات من الدول التي يمثل كل منها أقل من 3% تبلغ في مجموعها أكثر من 7% من إجمالي واردات المنتج محل التحقيق إلى السوق الخليجية.وتجدر الإشارة إلى أن قضايا الممارسات المشوهة للتجارة في منظمة التجارة العالمية، قد بلغت 480 قضية في عام 2012م، بينما لم تتجاوز 157 قضية في عام 1995م، وزيادة نسبة حالات الإغراق سنوياً تؤدي إلى تهديد الصناعة في البلد المستوردة، كما أنها تعيق تأسيس صناعات جديدة فيها، وتسبب هذه السياسة في العديد من الأضرار الأخرى، كالتأثير سلباً على توازن السوق من خلال إقصاء المنافسة الحرة في الأسواق.وكما أشرنا، فقد قامت المملكة قبل انضمامها لمنظمة التجارة العالمية بالموافقة على النظام الموحد لمكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والوقائية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالمرسوم الملكي رقم م/30 وتاريخ 17/5/1427هـ، وتلى ذلك قرار مجلس الوزراء في جلسة 16/3/1434هــ الموافق 28/1/2013م بالموافقة على النظام الموحد لمكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والوقائية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (المعدل).وختاماً، فإن مكافحة حالات الإغراق لا تقتصر على إصدار الأنظمة، إنما تتطلب تعاون المجتمع التجاري من خلال إنشاء وحدات متخصصة في الغرف السعودية؛ لمساعدة الشركات في رفع الشكاوى والتصدي لدعاوى الإغراق، وتوعية القطاعات كافة بقضايا الإغراق الدولية وأثرها على التجارة الدولية، والاستعانة بالمكاتب الاستشارية ذات الخبرة الدولية في مجال المحاسبة والقانون والاقتصاد والهندسة والصناعة في دعاوى الإغراق. علماً بأن تضافر هذه الجهود في هذا الصدد سوف يسهم في حماية الصناعة الوطنية، وانعاش التجارة، وخلق مناخ اقتصادي خال من الممارسات المشوهة للتجارة.