د. محمد حامد الغامدي

كل شيء في الديار جميل

  الأحساء بلاد لها مشارف بعيدة على مياه البحر، تنمو بهامة قوية على حافة صحراء الدهناء، تلفها الرمال من كل جانب، يهب على نهارها الهواء الملتهب صيفا، بليل مختلف. لها أهل نجحوا في التعايش مع البيئة الجافة، والمناخ القاسي. وظفوا الماء والنخيل. معادلة التعايش استمرت عبر القرون. اليوم أصبح الجميع يردد حسانا فله. ويظل الطريق إلى الأحساء جزءاً من مشاهد الحياة.في كل المراحل كانت هناك أشياء كثيرة، تعبر مع كاتبكم في الطريق إلى الأحساء عصافير ناعمة مستوردة، قطط ملونة ذات حسب ونسب، كانت هي الأخرى على المقعد الأمامي رافق كاتبكم الدجاج الحساوي والحمام القلاب، حتى «الضب» أخذ مكانه بجانبي في أحد الأيام  في الطريق ترى العجائب، ترى الموت ومؤشراته، ترى التناقضات، لا تختلف عن اختلاف المركبات العابرة، هناك أيضا أطياف مختلفة من البشر داخل المركبات، يشبهون ألوان وتعدد التضاريس عن اليمين وعن الشمال، بشر تتحرك بهم آلات حديدية بدون مشاعر، لا تختلف عن حبات الرمل الزاحفة على الطريق.  يظل السر العظيم مزروعاً في الإنسان الذي يقود المركبة، رؤوس لها عيون تتابع مسار الطريق، أملا في الوصول إلى النهاية. الكل يبحث عن نهاية الطريق، نهايتها مختلفة، ديار يبحث عنها أهلها حتى في الغربة، من خلال الذكريات المنحوتة والصور الجميلة، كل شيء في الديار جميل، حتى طرقاتها المتهالكة، وبقايا ذكريات الماضي.  في الطريق إلى الأحساء، كل شيء مرهون بنتائج، تعتمد على مشاعر لها مكامن مكبوتة داخل النفس، تتحكم في نزوات نوعية السير إلى الاحساء، الجميع محمول على عجلات، لها أيضا عالمها الخاص. (دعسة) بقدم متصلة بأعصاب العقل، تجعل تحرك عجلات المركبة أسرع.    ذكرياتي مع الطريق إلى الأحساء تمتد لأكثر من ربع قرن، عبرت وحيدا في أكثر من سيارة، بـألوان، وماركات، وأشكال، وأحجام مختلفة. لا تختلف عن حمير القرية، إلا في كونها من حديد. صنعها الإنسان لخدمته في عصر السرعة. مع الطريق، ومع مرور الأيام، تزاحم المكان في السيارة. كانت الزوجة في بداية الأمر، احتلت الكرسي الذي بجانبي، كأنها تعلن للناس احتلالها جزءاً من حزمة الأمر، كأنها تقول لم يعد الأمر له وحده.   الطريق يجعلك تعرف أن كل شيء في الحياة، له أساس شراكه مع آخرين. تظل الزوجة هي الأكثر شراكه وتأثيراً. تظل تعلن قدرتها بوسائل كثيرة. هكذا أصبح كاتبكم في وظيفة زوج الست،  القائد لتحركاتها على الطريق، تتفرغ هي لمهمة التشويش على المحطات الإذاعية المفضلة لكاتبكم. هكذا حتى الإذاعة والشريط جزء من الطريق. وهي محل خلاف دائم ليس له حل.  في مرحلة أخرى.. التف حول كاتبكم بجانب الزوجة مجموعة من الأطفال، كل طفل يريد أن يحتل المقعد الأمامي بجانب الزعيم، لا أدري أي متعة يبحثون عنها في هذا المقعد، تجد الجميع على المقعد الأمامي، مثل البط على غصن شجرة (جميز)، يعوم في مياه نهر النيل.   تطلب من الأم الرجوع بكومة الأطفال للمقاعد الخلفية، تجد نظرات الاستنكار، كأن الكرسي الأمامي يتمتع بجاذبية مختلفة عن الكراسي الخلفية، حتى الأطفال لهم نفس الاتجاه، باستثناء عاملة المنزل. مقاعد السيارة موضع خلاف بين راكبيها على الدوام. يذكرني بالكراسي العربية التي (تتسابق) في الطرق السياسة الدولية دون سائق.  في كل المراحل كانت هناك أشياء كثيرة، تعبر مع كاتبكم في الطريق إلى الأحساء. عصافير ناعمة مستوردة، قطط ملونة ذات حسب ونسب، كانت هي الأخرى على المقعد الأمامي. رافق كاتبكم الدجاج الحساوي والحمام القلاب، حتى (الضب) أخذ مكانه بجانبي في أحد الأيام. لكن هناك مرافقاً دائماً لكاتبكم، ضيف يحشر نفسه في السيارة، يذكرني بالغرب الذي يحشر نفسه في المركبة العربية، يقوم بنفس دور الذباب مع كاتبكم في الطريق إلى الأحساء. عبر معي الأصدقاء، والمعارف، وزملاء العمل، وأيضا بعض من كان يقف بجانب الطريق ينادي: (خذوني معاكم).   في الطريق تعرف معادن الناس. لهم صفات تمتد من ثقيل الطينة إلى عديم الطينة، بعضهم كيس نوم، بعضهم تود أن تتخلص منه في الطريق، بعضهم بعادات لا تحبها، لكن عندما يتدخل المزاج (يتعكر) جو الطريق، أفضلهم من يتحفك بشخير يأتي من المقعد الأمامي، تحمد الله، ثم تواصل قبل أن يفيق القمر، بتجليات يصعب ذكرها.  عبر مع كاتبكم، الورد، والريحان، والتمر، وأيضا البرسيم الحساوي. كان أيضا في المقعد الأمامي، عبر مع كاتبكم الرمان الحساوي قبل أن ينقرض وأيضا التين، والخوخ، والعنب الذي تتزاحم حباته بشكل كثيف، يذكرني بزحمة المكان في المدارس. حتى حزم الملوخية زاحمتني المكان في السيارة، حتى الأرنب كان يوما رفيق كاتبكم في الطريق إلى الأحساء.