د.محمد حامد الغامدي

الحل القادم من أعماق التاريخ

حاجتنا إلى حصد وخزن مياه الأمطار في جوف الأرض، مطلب وضرورة ملحة، السؤال.. كيف يمكن تحقيق ذلك؟! أتحدث وأكتب، معتقدا أن الكل يستوعب الأهداف، لكن تفاجأت يوما بأحدهم يقول: ماذا تريد منّا أن نفعل؟! ثم فجر في وجهي، ما يشبه الاحتجاج، قائلا: هل تريدنا أن نبلّط الأرض؟! في حينه، أدركت أن عمى المعرفة منتشر، يدعي فهم كل شيء، ويفتي كما يشاء.  كاتبكم لا يخترع أجوبة، لا يخترع حلولا، لكنه يكشف عن حلول، ينقب عن حلول مخزونة، في أعماق الموروث الإنساني، البشرية عالجت مشاكلها عبر تاريخها الطويل، عالجتها بطرق كثيرة ومميزة، قد تبدو حلولا بوسائل صغيرة، لكنها تحقق أهدافا عظيمة، لا زالت البشرية تطور وتخترع؛ لحل مشاكلها وتسهيل حياتها، في النّهاية تحقيق غايات أفضل، ممثلة في بيئة مستقرة ومساندة وضامنة.  لا أدري، إن كنتم يوما تحت ضغط تأثير السؤال الأهم، كيف استطاع آباؤنا تحقيق نجاح العيش في هذه الأراضي الجافة عبر العصور؟! سؤال يجب أن يظل عالقا في الذهن المحلّي، سؤال يحمل في طياته كل أنواع الأجوبة، التي ترسم خريطة الاستمرار في النجاح، لكن نتطلع أن يكون بنجاح أكبر وإنجاز أعظم. لدينا الإمكانيات المالية، وأيضا المعرفة العلمية التي تحقق لنا رؤية أوسع وأكبر وأهم. عودة للسؤال السابق، عن كيفية حصد وخزن ماء المطر؟! الأمر في غاية البساطة، وغاية السهولة، بل أكثر سهولة من الماضي، الجواب يأتي من أعماق التاريخ، بشواهده الحيّة أمامنا، الجواب حققه أجدادنا عبر التاريخ، مارسوه بنجاح، أسسوا إدارته، مارسوها بدقة وإتقان، وفي جميع المناطق. بالنسبة لمناطق الدرع العربي، الإجابة تكمن في بناء المدرجات على قمم وسفح الجبال وبطون الأودية، هذه الممارسة التقليدية لم تكن عشوائية، لكنها هندسة بناء دقيقة، تتكون من نظم وهياكل متعددة، لكل نظام وظيفة تحقق هدفا مستقلا، رغم أننا لا نشاهد إلا ملامح المدرجات، نظام دقيق يتكون من شبكات متداخلة، متفرعة، مترابطة، تحقق هدف إدارة مياه الأمطار بكفاءة عالية. ترتقي هذه الممارسة لتصبح علما دقيقا، يجب علينا تقديمه للعالم، بتطبيقه كنموذج، يجب علينا تبنية وعدم تجاهله، من خلال الحفاظ عليه وليس إزالته، من خلال تفعيله وليس هجره، من خلال تنميته وليس تركه للانهيارات والخراب. علم يستحق منّا اظهاره؛ لحل مشاكل المياه في المناطق الجافة، هذا العلم أسس أيضا علم الزراعة الجافة، التي كان يمارسها آباؤنا إلى ما قبل الطفرة الشهيرة من سبعينيات القرن الماضي. نحن أمام كنز من المعرفة، يجب قطف ثمارها تطبيقا ورعاية، معرفة تحتاج إلى باحثين وعلماء؛ لتوثيقها والكشف عن أسرارها وتطويرها، باستخدام الامكانيات العلمية الحديثة المتوفرة، معرفة تحتاج إلى جهات تقوم بدورها في مساندة هذه التوجهات، وتبنيها كحلول لمشاكل نقص المياه، ومشاكل الزيادة الملحة على طلب المياه والغذاء. اليوم نحن أمام خيارين لا ثالث لهما، الأول: الاستمرار في ما نحن عليه من تجاهل لمنطقة الدرع العربي، هذا يعني مستقبلا غير مريح، ينعكس سلبا على الإنسان ونشاطه، مستقبل كل مشاهده هجرة جماعية من هذه المناطق. الخيار الثاني: أن نبدأ في استثمار هذه المناطق المطيرة، بتعجيل اعتماد وتأسيس ما دعوت له، من إنشاء محمية حصد وخزن ماء المطر في منطقة الدرع العربي، بعرض (4) كيلو مترات أفقيا، وبشكل مباشر نحو الشرق، تقع على قمم سفوح جبال الدرع العربي، تبدأ من حدود الانكسارات الغربية الفجائية لسلسلة الجبال المطلة على سهول تهامة.لكي نحقق حصد وخزن ماء المطر، يجب (أكرر) يجب بناء المدرجات على كامل (أكرر) كامل مساحة أرض هذه المحمية، وفقا لنظام خاص لتوزيع الأرض على المواطنين، وفق رؤية وشروط، وخطط وتخطيط هندسي؛ بهدف حصد ماء المطر في هذه المدرجات، لتصبح بمثابة مكامن لتجميع ماء المطر، كنتيجة سيتم تغلغل مياه الأمطار المتجمعة في هذه المدرجات عبر التربة إلى باطن الأرض وبصورة طبيعية. هذه العملية تحقق عدة أهداف مهمة، الأول: الحد من خطورة جرف التربة، وهي الأهم في جبال الدرع العربي، الثاني: تغذية المياه الجوفية، حصد وخزن ماء المطر بهذه الطريقة يوفر في منطقة المحمية أكثر من (40) مليار متر مكعب من المياه سنويا، الهدف الثالث: السيطرة على مياه الأمطار، وهذا يحد من جريان مياه الأمطار التي تشكل سيولا وفيضانات مدمرة، الهدف الرابع: سيحقق نجاح تنمية الزراعة الجافة المستدامة؛ للوفاء بحاجتنا المتزايدة من الغذاء.