سالم اليامي

ليبيا والمساعدة الدولية

السيد باولو سكاروني، المدير المفوض لشركة ايني الايطالية للطاقة التي تستثمر وتعمل في الأراضي الليبية، وصف الأوضاع الحالية في هذا البلد بكلمات قليلة ومعبرة في آن. قال هذا الرجل في مطلع شهر نوفمبر الحالي مشخصا الحالة العامة في ليبيا: الوضع في ليبيا «صعب»، وأردف : « ليبيا بلد معقد بشكل خاص» وأعتقد أنه وصف ليس فيه مبالغة، إلى حد بعيد، لأنه في الوقت الذي تقترب فيه الآجال النهائية لعمل المؤسسات الدستورية ولشرعية في البلاد «المؤتمر الوطني» و «الحكومة الانتقالية» وفي حين  لم تنته اللجان المتخصصة من إعداد الدستور الليبي، ومع تصاعد غضب الناس من فقدان الأمن، وضعف الخدمات الرئيسة، تتعالى دعوات الاستقلال الذاتي للأقاليم الليبية عن السلطة المركزية للحكومة المؤقتة والمؤتمر الوطني في صورة سريالية تعكس حجم أزمة فقدان الثقة فيما يحدث على الأرض في ليبيا. هذه الدرجة العالية التعقيد في المشهد العام تجعل أمام الليبيين خيارات حقيقية محدودة للخروج من هذا المأزق. في ليبيا ثلاثة مسارات أساسية تتداخل وتتقاطع بصورة معقدة، هي الأمن والثروة «الاقتصاد» والسياسية، والإنسان الليبي العادي يريد ساحرا يحل له هذه العقد، ليشعر بالأمن في بلاده ويتمتع بخيراتها التي يسمع عنها، ويساهم في اختيار النظام السياسي الذي يريده. فبين المرواحة والحديث حول بناء المؤسسات السياسية وبناء الديموقراطية، - وهذه أمور محمودة وضرورية - تظهر الأهمية الأكثر أولوية في رأي عدد من المراقبين، التي تتمثل في تعزيز مفهوم الأمن وجعله حقيقة ملموسة، ومن ثم الانطلاق إلى الخيارات الأخرى ذات الصبغة السياسية. وهناك من يرى ألا مانع في أن يتم كلا الأمرين الأمني والبناء السياسي في ذات الوقت مع ضرورة أن يعطى الجانب الأكبر من الاهتمام والتركيز للموضوع الأمني. الحكومة المؤقتة سعت إلى طلب العون والمساعدة «اقليميا» ودولياً. وكانت تصريحات رئاسة الحكومة عصية على الفهم قبل بضعة أشهر، حيث إن طلب المساعدة كان مبهما ويحتمل العديد من التفسيرات والصور، لكن جاء حديث السيد علي زيدان رئيس الوزراء في 27 أكتوبر الماضي، حول التعاون مع الجانب الايطالي في تأمين الحدود الليبية الكترونية وعبر الجو ليوضح أحد أشكال التعاون المحتملة والمقصودة، وربما تكون ثمرة تعاون الليبيين مع الدول القادرة على تقديم مساعدة نوعية في الشق الأمني أحد أكثر الحلول نجاعة، في مسالة أمنية أكثر إلحاحا مثل موضوع تحجيم دور التنظيمات المسلحة، وجمع السلاح، إلا أن هذا الخيار قد تكون له محاذيرة الداخلية التي تتمثل في رفض الشارع الليبي أو جزء منه تعاون على الأرض وفي الاقاليم والمدن الليبية مع قوى أجنبية للتخفيف من بعض المعضلات الأمنية المستفحلة، التخوف الآخر الذي يؤخذ في الحسبان حسب مقتضيات التحرك الدولي تجاه ما يحدث في ليبيا، يتمثل في عدم الرغبة الجادة من قبل الدولة القادرة للتأثير جدياً في مسار الأحداث في ليبيا، وهذا ما قد يفسر بأن هذا العزوف يأتي طبقا لمبدأ عدم المساعدة حتى تأتي الظروف المناسبة، أو أن البعض لا يفضل استخدام ادواته إلا في الوقت الذي يتحقق له المردود المناسب. الأمم المتحدة وعبر بعثتها للدعم في ليبيا استضافت الأسبوع الماضي «لقاء» تشاوريا غير رسمي للقوى السياسية الليبية للتداول حول القضايا المتعلقة بالمسار الديموقراطي. مثل هذه المناشط محمودة ولها أهميتها، لكنها تصبح ثانوية عندما يسخر ويستنكر المواطن الليبي من كلمة «قوى سياسية» وعندما تكثر في الصحافة وفي مداخلات أعضاء المؤتمر الوطني «النواب المنتخبين ديمقراطياً» اقتراحات مثل تفضيل العودة إلى «حكم القبيلة» عند نهاية مدة المؤتمر الوطني في فبراير المقبل! الوضع الأمني ضاغط بقوة على كل من يتولى مسئولية أو يتخذ قرارا يمس الشأن العام في ليبيا. الدعوات للحوار والمصالحة الوطنية خيار له بريق ويطرحه البعض، لكنه لا يجد طريقاً معبدا في الواقع. الدعوات لتأسيس جمعيات للشيوخ من كبار السن والحكماء في القبائل والمناطق تبدو غريبة، لكنها قد تكون أحد الحلول الواقعية المتناغمة بصورة أكثر من غيرها مع طبيعة وذهنية الانسان الليبي. في ليبيا ثلاثة مسارات أساسية تتداخل وتتقاطع بصورة معقدة، هي: الأمن والثروة «الاقتصاد» والسياسية. والإنسان الليبي العادي يريد ساحرا يحل له هذه العقد، ليشعر بالأمن في بلاده ويتمتع بخيراتها التي يسمع عنها، ويساهم في اختيار النظام السياسي الذي يريده، وإلا لماذا كانت الثورة؟