محمد العلي

حصار الأفكار

 لو سألت ماهو السبب الأول للصراع بين الجديد والقديم الملازم للتاريخ البشري والذي لن ينتهي أبدا ؟ فالجواب الأشد إقناعا هو حصار الأفكار الكبيرة.الفكرة لا تحاصر معتنقيها وحسب، فهم يأخذونها بالتقليد، والمقلد أسير غيره لا قدرة له على فك أسره .. بل هي تحاصر من أبدعها فلا يستطيع التخلص منها غالبا، حتى لو كانت خطأ .. لهذا قيل: إن العلم هو تصحيح الأخطاء، لأن العلم يخلو من العاطفة التي تجعل مبدع الفكرة أسيرا لها.أشد الأفكار حصارا للفرد هو فكر (الهوية)الهوية حتى الآن وإلى غد تحاصر الإنسان .. خذ – مثلا – الهوية القبلية أو الطائفية أو الدينية تجدها تحاصر أمما وشعوبا فضلا عن الأفراد .. وأهم تلك الهويات تأثيرا ودواما وقدرة على الحصار هي الهوية الدينيةالفلاسفة القدماء حاصرتهم فكرة الوجود قرونا عديدة، فراحوا يبحثون عن الموجود بما هو موجود وكيف وجد وإلى أين يسير؟ وخلقوا تلالا من الكلام الذي يسحق بعضه بعضا.وقد حاصرت مفاهيم التنوير وما تولد عنها منذ القرن الثامن عشر وحتى الآن سائر المفكرين من الذين أبدعوها أو الذين نظروا إليها نظرا نقديا .. فحين ننظر – مثلا – إلى مفهوم الحرية والفردية والديمقراطية وغيرها من مفاهيم التنوير، نجد عشرات التعريفات المختلفة لكل واحد منها .. وهذا يدل على أن الأفكار الكبيرة التي يبدعها عصر ما أو جيل ما تدخل في صراع في عصر آخر أو جيل آخر.منذ أن وقف أفلاطون ضد الديمقراطية ساخرا منها وحتى الآن، هناك من يتابع أفلاطون في سخريته وهناك مئات الشعوب تتلهف على رؤيتها.أشد الأفكار حصارا للفرد هو فكر (الهوية)الهوية حتى الآن وإلى غد تحاصر الإنسان .. خذ – مثلا – الهوية القبلية أو الطائفية أو الدينية تجدها تحاصر أمما وشعوبا فضلا عن الأفراد .. وأهم تلك الهويات تأثيرا ودواما وقدرة على الحصار هي الهوية الدينية.الهوية الدينية المستمدة من النص المقدس هي هوية روحية لا وساطة بينها وبين معتنقها ولكن حين يتحول وصول شعاع النص إلى الأفراد إلى واسطة هنا تتعدد الهوية الدينية الروحية وتصبح منهجا لتفسيرات بشرية متعددة ومتضاربة، بل تصل أحيانا -وهو ماهو حاصل الآن- الى أن يقاتل بعضها بعضا.وحين نطرح السؤال: أين الهوية الشخصية (الأنا) لا نجد الاعتراف بها في المجتمعات الأقل إضاءة فكرية ونراها ضائعة تحت ضبات الهويات الأخرى.